الصفحة 49 من 80

الأوَّلُ: انَّهُ إنْ أُرِيدَ بالنَّفْيِ نفيُ التَّشَابُهِ المطلَقِ - أيْ نفيُ التَّساوي منْ كلِّ وجْهٍ بينَ الخالقِ والمخلوقِ - فإنَّ هذَا لغوٌ مِنَ القَوْلِ إذْ لمْ يقلْ أحدٌ بتساوي الخالقِ والمخلوقِ منْ كلِّ وجْهٍ بحيثُ يَثبُتُ لأحدِهِمَا منَ الجائِزِ والممتنِعِ، والواجبِ ما يَثْبُتُ للآخَرِ، ولاَ يُمكِنُ أنْ يَقولَهُ عاقلٌ يَتصوَّرُ مَا يقولُ فإنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بضَرُورَةِ العَقْلِ، وبَداهةُ الحسِّ انتفاؤُهُ وإذَا كانَ كذلِكَ لمْ يكُنْ لنفيِهِ فائدةٌ.

وإنْ أُرِيدَ بالنَّفْيِ نفيُ مطلَقِ التَّشَابُهِ - أيْ نفيُ التَّشَابُهِ منْ بعْضِ الوجوهِ - فهذَا النَّفْيُ لا يَصِحُّ إِذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إلاَّ وبيْنَهُمَا قَدْرٌ مشْتَرَكٌ يشْتَرِكَانِ فيهِ، وقَدْرٌ مُخْتَصٌّ يَتميَّزُ بهِ كلُّ واحدٍ عنِ الآخَرِ فيُشبهانِ مِنْ وجهٍ ويَفْتَرِقَانِ منْ وَجْهٍ.

فالحياةُ"مثلًا"وصفٌ مشتركٌ بينَ الخَالِقِ والمخلوقِ قالَ اللهُ تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [1] . وقالَ: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) [2] . لكنَّ حياةَ الخالقِ تَختَصُّ بهِ فهيَ حياةٌ كاملةٌ منْ جميعِ الوُجوهِ لمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ ولاَ يَلْحَقُهَا فناءٌ، بخلافِ حياةِ المخلوقِ فإنَّهَا حياةٌ ناقصةٌ مسبُوقةٌ بعدمٍ مَتْلُوَّةٌ بفناءٍ قالَ اللهُ تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [3] .

فالقَدْرُ المشترَكُ"وهوَ مطلَقُ الحياةِ"كلِّيٌّ لاَ يَخْتَصُّ بأحدِهِمَا دونَ الآخَرِ، لكنَّ مَا يَختَصُّ بهِ كلُّ واحدٍ ويَتميَّزُ بهِ لمْ يَقعْ فيهِ اشْتِرَاكٌ وحينئذٍ لاَ محذورَ منَ الاشْتِراكِ في هذَا المَعْنى الكلِّيِّ، وإنَّمَا المحْذورُ أنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا مشارِكًا للآخَرِ فيمَا يَخْتَصُّ بهِ.

ثمَّ إنَّ إرادةَ ذلكَ - أعني نفيَ مطلَقِ التَّشابُهِ - تَستلزِمُ التَّعْطِيلَ المحْضَ، لأنَّهُ إذَا نَفَى عنِ اللهِ تعالى صفةَ الوجودِ"مثلًا"بِحُجَّةِ أنَّ للمخلوقِ صفةَ وجودٍ فإثباتُها للخالقِ يَستلزِمُ التَّشْبيهَ على هذا التَّقْدِيرِ، لَزِمَ على نفيهِ أنْ يكونَ الخالقُ معدومًا، ثمَّ يَلزَمُهُ على هذا اللاَّزمِ الفاسِدِ أنْ يَقَعَ في تشبيهٍ آخَرَ وهوَ تشبيهُ الخالقِ بالمعدومِ لاشْتِراكِهِمَا في صفةِ العَدَمِ فيَلزَمُهُ على قاعدتِهِ - تشبيهُهُ بالمعدومِ - فإنْ نَفَى عنْهُ الوُجودَ والعَدَمَ، وَقَعَ في تشبيهٍ ثالثٍ أشدَّ وهوَ تشبيهُهُ بالمُمْتَنِعَاتِ لأنَّ الوجودَ والعدمَ نقيضَانِ يَمتنِعُ انتفاؤُهُمَا كمَا يَمتنِعُ اجتمَاعُهُمَا.

فإنْ قالَ قائلٌ: إنَّ الشَّيْءَ إذَا شاركَ غيْرَهُ منْ وجهٍ جَازَ عليْهِ منْ ذلكَ الوجهِ ما يَجوزُ على الآخَرِ، وامْتَنَعَ عليْهِ مَا يَمتنِعُ، ووَجَبَ لهُ ما يَجِبُ؟

فالجوابُ منْ وجْهَيْنِ:

أحدُهُمَا: الْمَنْعُ فيُقالُ لاَ يَلزَمُ منِ اشْتِرَاكِ الخالِقِ والمخلوقِ في أصْلِ الصِّفَةِ أنْ يَتماثَلاَ فيهِ فيمَا يَجوزُ ويَمتنِعُ ويَجِبُ لأنَّ مطلَقَ المشاركةِ لا يَستلزِمُ المماثَلةَ.

الثَّاني: التَّسْلِيمُ فيُقالُ هَبْ أنَّ الأَمْرَ كذلكَ، ولكنْ إذَا كانَ ذلكَ القَدْرُ المشترَكُ لا يَستلزِمُ إثباتَ مَا يَمْتَنِعُ على الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، ولا نَفْيَ مَا يَستحقُّهُ لمْ يكنْ مُمْتَنِعًا، فإذَا اشْتَرَكَا في صِفَةِ الوجودِ، والحياةِ، والعلْمِ، والقدرةِ واخْتَصَّ كلُّ موصوفٍ بمَا يَستحِقُّه ويَلِيقُ بهِ، كانَ اشْتراكُهُمَا في ذلكَ أمْرًا ممكِنًا لا محذورَ فيهِ أصْلًا، بلْ إثباتُ هذَا منْ لوازمِ الوُجُودِ، فإنَّ كلَّ موجودَيْنِ لا بُدَّ بينَهُمَا منْ مِثْلِ هذَا، ومنْ نَفَاهُ لَزِمَهُ تعطِيلُ وجودِ كلِّ مَوْجُودٍ، لأنَّ نَفْيَ القَدْرِ المشْتَرَكِ يَلزَمُ منهُ التَّعْطِيلُ العَامُّ.

وهذَا المَوْضِعُ مَنْ فَهِمَهُ فَهْمًا جيِّدًا وتَدَبَّرَهُ زَالتْ عنْهُ عامَّةُ الشُّبُهَاتِ وانْكَشَفَ لهُ غَلَطُ كثيرٍ منَ الأذْكِيَاءِ في هذَا المَقامِ.

(1) سورة الفرقان، الآية: 58.

(2) سورة الروم، الآية: 19.

(3) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت