الصفحة 52 من 80

فَيَرُدُّ عليْهِمُ المُثْبِتَةُ بأنَّكُمْ أنتمْ وَصَفتُموهُ بالحياةِ، والعلْمِ، والقدرةِ، والإِرادةِ، والسَّمعِ، والبصرِ، والكلامِ ولاَ يُعْرَفُ مَا يُوْصَفُ بذلكَ إلا مَا هوَ جسمٌ، فإنْ لَزِمَنَا التَّجْسِيمُ فيمَا أثْبَتْنَاهُ لَزِمَكُمْ فيمَا أثبتُّمُوهُ، وإنْ لمْ يَلزَمْكمْ فيمَا أثبتُّمُوهُ لمْ يَلْزَمْنا فيمَا أَثبتْناهُ وإنْ أَلزمْتُمُونَا بهِ، لأنَّهُ لاَ فَرْقَ بيْنَ الأمْرَيْنِ وتَفريقُكُمْ بينَهُمَا تَناقُضٌ مِنْكُمْ.

فَصْلٌ

وأمَّا الضَّابِطُ في بابِ الإِثباتِ فأنْ نُثْبِتَ للهِ تعالى ما أَثبَتَهُ لنفسِه منْ صفاتِ الكمالِ على وجهٍ لاَ نَقْصَ فيهِ بأيِّ حالٍ منَ الأحوالِ لقولِهِ تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [1] . والمثلُ الأعلى هوَ الوصفُ الأكْمَلُ الذي لاَ يُماثِلُهُ شيْءٌ.

فصفاتُ اللهِ تعالى كلُّهَا صفاتُ كمالٍ، سواءٌ كانتْ صفاتُ ثبوتٍ، أمْ صفاتُ نفيٍ وقدْ سَبَقَ أنَّ النَّفيَ الْمَحْضَ لاَ يُوجدُ في صفاتِ اللهِ تعالى، وأنَّ المقصودَ بصفاتِ النَّفْيِ نفيُ تلكَ الصِّفةِ لاتِّصافِهِ بكمالِ ضِدِّهَا.

ولهذَا لا يَصِحُّ في ضابِطِ الإثباتِ أنْ نَعتمدَ على مجرَّدِ الإِثباتِ بلاَ تشبيهٍ لأنَّهُ لوْ صَحَّ ذلكَ لجازَ أنْ يُثْبِتَ المفتري للهِ سبحانَه كلَّ صفةِ نقْصِ معَ نفيِ التَّشْبِيهِ، فيَصِفُهُ بالحُزْنِ، والبكاءِ، والجوعِ، والعَطَشِ ونحوِهَا مِمَّا يُنَزَّهُ اللهُ عنهُ معَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، فيقولُ: إنَّ اللهَ يَحزَنُ لا كحزنِ العِبادِ، ويَبكِي لا كبكائِهِمْ، ويَجوعُ لا كجُوعِهِمْ، ويَعطَشُ لا كعَطَشِهِمْ، ويأكُلُ لا كأكْلِهِمْ، كما أنَّهُ يَفرَحُ لاَ كفَرَحِهِمْ، ويَضحَكُ لا كضَحِكِهِمْ، ويَتكلَّمُ لا ككلامِهِمْ.

ولَجَازَ أيضًا أنْ يُثْبِتَ المُفْتَرِي للهِ سبْحانَهُ أعضاءً كثيرةً معَ نفيِ التَّشْبِيهِ فيقولَ: إنَّ للهِ تعالى كَبِدًا لا كأكبادِ العِبادِ، وأمعاءً لا كأمعائِهمْ، ونحوُ ذلكَ مِمَّا يُنَزَّهُ اللهُ تعالى عنْهُ، كما أنَ لهُ وجْهًا لا كوجوهِهِمْ، ويَدَيْنِ لاَ كأيدِيهِمْ.

ثمَّ يقولُ المفترِي لمنْ نَفَى ذلكَ وأَثْبَتَ الفَرَحَ، والضَّحِكَ، والكلامَ، والوجْهَ، واليديْنِ أيُّ فرْقٍ بينَ ما نفَيْتَ وما أَثْبَتَّ، إذَا جعلتَ مجرَّدَ نفيِ التَّشبيهِ كافيًا في الإثباتِ فأنَا لمْ أَخْرُجْ عنْ هذَا الضَّابِطِ فَإنِّي أُثبِتُ ذلكَ بدونِ تشبيهٍ؟

فإنْ قالَ النَّافِي: الفرْقُ هوَ السَّمْعُ (أي الدَّليلُ منَ الكِتابِ والسُّنَّةِ) فمَا جَاءَ بهِ الدَّليلُ أُثْبِتُهُ ومَا لمْ يَجِئْ بهِ لمْ أُثْبِتْهُ.

قالَ المُفْتري: السَّمْعُ خبرٌ والخبرُ دليلٌ على المُخْبَرِ عنْهُ، والدَّليلُ لاَ يَنْعَكِسُ فلاَ يَلزَمُ منْ عدمِهِ عدمُ المدْلولِ عليهِ لأنَّهُ، قدْ يَثبُتُ بدليلٍ آخَرَ فمَا لمْ يَرِدْ بهِ السَّمْعُ يَجوزُ أنْ يكونَ ثابِتًا في نفسِ الأمْرِ وإنْ لمْ يَرِدْ بهِ السَّمْعُ، ومِنَ المعلومِ أنَّ السَّمْعَ لم يَرِدْ بِنَفْيِ كلِّ هذهِ الأمورِ بأسمائِهَا الخَاصَّةِ فلمْ يَرِدْ بنفيِ الحُزْنِ، والبُكاءِ، والجوعِ، والعَطَشِ، ونفيِ الكَبِدِ، والْمَعِدَةِ، والأمعاءِ وإذَا لمْ يَرِدْ بنفِيهَا جازَ أنْ تكونَ ثابتةً في نفسِ الأمْرِ فلا يَجوزُ نفيُها بِلاَ دليلٍ، وبهذَا يَنقطعُ النَّافي لهذِهِ الصِّفاتِ، حيثُ اعْتَمَدَ فيمَا يَنفيهِ على مجرَّدِ نفيِ التَّشْبِيهِ ويُعْلَمُ أنَّهُ لا يَصِحُّ الاعْتِمادُ عليْهَا، وإنَّما الاعْتمادُ على مَا دلَّ عليْهِ السَّمْعُ والعَقْلُ مِنْ وَصْفِ اللهِ تعالى بصفاتِ الكمالِ على وجهٍ لاَ نَقْصَ فيهِ، وعلى هذَا فكلُّ ما يُنافِي صفاتِ الكمالِ الثابتةِ للهِ، فاللهُ منزَّهٌ عنهُ لأنَّ ثبوتَ أحدِ الضِّدَّيْنِ نفيٌ للآخَرِ ولِمَا يَسْتَلْزِمُهُ.

وبهذَا يُمكِنُ دفعُ مَا أَثبَتَهُ هذَا المفتري لله تعالى منْ صفاتِ النَّقْصِ فَيُقَالُ: الحُزنُ، والبكاءُ، والجوعُ، والعَطَشُ صفاتُ نقْصٍ منافيةٌ لكمالِهِ فتكونُ مُنْتَفِيَةً عنِ اللهِ ويُقَالُ أيضًا: الأكلُ، والشُّرْبُ مستلزِمٌ للْحاجةِ والحاجةُ نَقْصٌ وما استلْزَمَ النَّقْصَ فهوَ نَقْصٌ. ويقالُ أيْضًا: الكبِدُ، والمعِدَةُ، والأمعاءُ آلاتُ الأكْلِ والشُّرْبِ والمُنَزَّهُ عنِ الأكْلِ والشُّربِ مُنَزَّهٌ عَنْ آلاتِ ذلكَ.

(1) سورة النحل، الآية: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت