الصفحة 53 من 80

وأمَّا الفرَحُ، والضَّحِكُ، والغَضَبُ، ونحوُها فهيَ صفاتُ كمالٍ لاَ نَقْصَ فيهَا فلاَ تَنتفِي عنْهُ لكنَّها لا تُمَاثِلُ مَا يَتَّصِفُ بهِ المخْلُوقُ منْهَا فإنَّهُ سبحانَهُ لاَ كُفْؤَ لهُ، ولاَ سَمِيَّ، ولا مِثْلَ فلاَ يَجوزُ أنْ تكونَ حقيقةُ ذاتِهِ كحقيقةِ شيءٍ منْ ذواتِ المخلوقينَ، ولا حقيقةُ شيْءٍ منْ صِفاتِهِ كحقيقةِ شيءٍ منْ صفاتِ المخلوقينَ لأنَّهُ ليسَ منْ جِنْسِ المخلوقاتِ، لاَ الملائكةِ، ولاَ الآدميِّينَ، ولا السَّمواتِ، ولاَ الكواكبِ، ولاَ الهواءِ، ولاَ الأَرْضِ ولاَ غيرِ ذلكَ.

بَلْ يُعْلَمُ أنَّ حقيقَتَهُ عنْ مماثَلةِ شيءٍ منَ الموجوداتِ أبعدُ منْ سائِرِ الحقائِقِ، لأنَّ الحقِيقَتَين إذَا تماثَلَتَا جَازَ على الواحدةِ مَا يَجوزُ على الأخْرى ووَجَبَ لهَا ما يَجبُ لِلأُخْرى، وامتَنَعَ عليْهَا ما يَمتنِعُ على الأخرى فيَلزَمُ أنْ يَجوزَ على الخالِقِ الواجِبِ بنفسِهِ ما يَجوزُ على المخلوقِ المُحْدَثِ، وأنْ يَثْبُتَ لهذَا المخْلوقِ ما يَثْبُتُ لِلخالقِ فيكونُ الشَّيْءُ الواحدُ واجبًا بنفسِهِ غيرَ واجبٍ بنفسِهِ، موجودًا معدُومًا، وهذَا جمْعٌ بينَ النَّقِيضَيْنِ.

الأَصْلُ الثَّانِي

في القَدَرِ وَالشَّرْعِ [1]

القَدَرُ تقديرُ اللهِ تعالى لما كان ومَا يكونُ أَزَلًا وأَبَدًا.

والإِيمانُ بالقدَرِ أحَدُ أركانِ الإِيمانِ السَّتَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا رسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لجبريلَ حينَ سأَلَهُ عنِ الإِيمانِ فقالَ:"أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ، وَمَلاَئِكِتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ".

والإِيمانُ بالقدَرِ والشَّرْعِ مِنْ تَمامِ الإِيمانِ برُبوبيَّةِ اللهِ تعالى.

وَللإيمانِ بالقدَرِ مراتبُ أربعٌ:

المرتبةُ الأُولى: الإِيمانُ بأنَّ اللهَ تعالى قدْ عَلِمَ بعلْمِهِ الأزليِّ الأبديِّ ما كانَ وما يكونُ منْ صغيرٍ، وكبيرٍ، وظاهرٍ، وباطنٍ، مما يكونُ منْ أفعالِهِ، أوْ أفعالِ مخلوقاتِهِ.

المرتبةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمانُ بأنَّ اللهَ تعالى كتبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ، فَمَا منْ شَيْءٍ كانَ أَوْ يكونُ إلاّ وَهُوَ مكْتوبٌ مُقدَّرٌ قبلَ أنْ يكونَ.

ودليلُ هاتينِ المرتبتَيْنِ في كتابِ اللهِ تعالى، وَفي سُنَّةِ رسولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أمَّا الكتابُ: فمنْهُ قولُهُ تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [2] . وقولُهُ: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [3] .

(1) سبق الكلام على الأصل الأول"الصفات".

(2) سورة الحج، الآية: 70.

(3) سورة الأنعام، الآية: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت