فهرس الكتاب
وأمَّا السُّنَّةُ: فمِنْهَا قولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّموَاتِ والأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قالَ وَعَرْشُهُ على الماءِ".
أَخرَجَهُ مسلِمٌ في صحيحِهِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهُمَا.
ورَوَى البخاريُّ في صحيحِهِ منْ حديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ:"كَانَ اللهُ وَلَمْ يكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شَيْءٍ".
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ والتِّرمِذيُّ منْ حديثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقولُ:"إنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ فَقَالَ: اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كلِّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وهوَ حديثٌ حسَنٌ.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الإِيمانُ بمشيئةِ اللهِ تعالى، وأَنَّها عامَّةٌ في كلِّ شيْءٍ، فمَا وُجِدَ موجودٌ، ولاَ عُدِمَ معدومٌ منْ صغيرٍ، وكبيرٍ، وظاهرٍ، وباطنٍ في السَّمواتِ والأَرْضِ إلاَّ بمشيئةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ سواءٌ كانَ ذلكَ مِنْ فِعْلِهِ تعالى، أَمْ مِنْ فِعْلِ مخلوقاتِهِ.
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الإِيمانُ بخلْقِ اللهِ تعالى، وأنَّهُ خالقُ كلِّ شيْءٍ منْ صغيرٍ، وكبيرٍ، وظاهرٍ، وباطنٍ، وأنَّ خلْقَهُ شاملٌ لأعيانِ هذِهِ المخلوقاتِ وصفاتِهَا ومَا يَصْدُرُ عنْهَا منْ أَقوالٍ، وأَفعالٍ، وآثارٍ.
ودليلُ هاتينِ المرتبتَيْنِ قولُهُ تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [1] . وقولُه: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [2] . وقولُهُ: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [3] .
ولمْ يَخْلُقْ شَيْئًا إلاَّ بمشيئَتِهِ لأنَّهُ تعالى لاَ مُكْرِهَ لَهُ لِكمالِ مُلْكِهِ وتَمامِ سلطانِهِ. قالَ اللهُ تعالى مبيِّنًا أنَّ فعلَهُ بمشيئتِهِ: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [4] .
وقالَ: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) [5] .
وقالَ مبيِّنًا أنَّ فِعْلَ مخلوقاتِهِ بمشيئتِهِ: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [6] . وقالَ: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [7] .
والقدَرُ لاَ يُنافِي الأسْبابَ القَدِريَّةَ، أوِ الشَّرْعِيَّةَ الَّتي جَعَلَهَا اللهُ تعالى أَسبابًا، فإنَّ الأسبابَ منْ قدَرِ اللهِ تعالى، ورَبْطُ المسبِّبَاتِ بأسبابِهَا هُوَ مُقْتَضَى الحكمةِ التي هيَ منْ أَجَلِّ صفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والَّتي أَثبَتَهَا اللهُ لنفسِهِ في مواضعَ كثيرةٍ منْ كتابِهِ.
(1) سورة الزمر، الآيتان: 62، 63.
(2) سورة الفرقان، الآية: 2.
(3) سورة الصافات، الآية: 96.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 27.
(5) سورة الرعد، الآية: 26.
(6) سورة التكوير، الآيتان: 28، 29.
(7) سورة البقرة، الآية: 253.