الصفحة 55 من 80

فَمِنَ الأسْبَابِ القَدَريَّةِ قولُهُ تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) [1] . إلى قولِهِ: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [2] .

ومنَ الأسبابِ الشَّرْعِيَّةِ قولُهُ تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [3] . وكلُّ فعْلٍ رَتَّبَ اللهُ عليْهِ عِقابًا أو ثوابًا فهوَ منَ الأسبابِ الشَّرْعِيَّةِ باعتبارِ كونِهِ مطلوبًا منَ العَبْدِ، ومنَ الأسبابِ القَدَريَّةِ باعتبارِ وُقوعِهِ بقضاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ.

والنَّاسُ في الأسبابِ طرَفانِ وَوَسَطٌ:

فالطَّرَفُ الأوَّلُ: نُفاةٌ أَنْكرُوا تأثيرَ الأسبابِ وجَعَلوهَا مُجَرَّدَ علاماتٍ يَحْصُلُ الشَّيْءُ عندَهَا، لاَ بِهَا، حتَّى قالُوا إنَّ انكسارَ الزجاجةِ بالحجَرِ إذَا رمَيْتَها بهِ حَصَلَ عِنْدَ الإِصابَةِ، لاَ بهَا. وهؤلاءِ خالَفُوا السَّمْعَ، وكابَرُوا الحِسَّ، وأَنكَرُوا حكْمةَ اللهِ تعالى في ربْطِ المُسَبِّبَاتِ بأسبابِهَا.

والطَّرَفُ الثَّانِي: غُلاةٌ أَثبَتُوا تَأْثِيرَ الأسبابِ، لكنَّهُمْ غَلَوْا في ذلكَ وجَعَلُوهَا مؤثِّرةً بذاتِهَا، وهؤلاءِ وَقَعُوا في الشِّرْكِ، حيثُ أثْبَتُوا مُوجِدًا معَ اللهِ تعالى، وخالَفُوا السَّمْعَ، والحِسَّ. فقدْ دَلَّ الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّةِ على أَنَّهُ لاَ خَالقَ إلاَّ اللهُ، كَما أنَّنَا نَعلَمُ بالشَّاهدِ المحسوسِ أنَّ الأسبابَ قدْ تَتَخَلَّفُ عنْها مُسَبِّباتُها بإذنِ اللهِ، كَما في تَخَلُّفِ إحراقِ النَّارِ لإبراهيمَ الخليلِ حينَ أُلْقِيَ فيهَا فقالَ اللهُ تعالى: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [4] . فكانتْ بَرْدًا وسَلامًا عليْهِ ولمْ يَحترِقْ بِهَا.

وأَمَّا الوَسَطُ: فهمُ الذِينَ هُدُوا إلى الحقِّ وتَوَسَّطُوا بينَ الفريقيْنِ وأُخِذُوا بمِا معَ كلِّ واحدٍ منهمَا منَ الحَقِّ، فأَثْبَتُوا للأَسْبَابِ تأثيرًا في مسبِّبَاتِهَا لكنْ لا بِذَاتِهَا بَلْ بمَا أَوْدَعَهُ اللهُ تعالى فيهَا مِنَ القُوى الموجِبةِ.

وهؤلاءِ هُمُ الطَّائِفَةُ الوَسَطُ الذينَ وُفِّقُوا للصَّوابِ وجَمَعُوا بينَ المَنْقُولِ والمعقولِ، والمحسُوسِ، وإذَا كانَ القدرُ لا يُنافِي الأسبابَ الكونيَّةَ والشَّرْعيَّةَ فهوَ لاَ يُنافي أنْ يكونَ للعبدِ إرادةٌ وقُدْرةٌ يكونُ بهمَا فِعْلُهُ، فهوَ مريدٌ قادرٌ فاعلٌ لقولِهِ تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [5] .

وقولِهِ: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) [6] . وقولِهِ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [7] . وقولِهِ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) [8] .

(1) سورة الروم، الآية: 48.

(2) سورة الروم، الآية: 50.

(3) سورة المائدة، الآيتان: 15، 16.

(4) سورة الأنبياء، الآية: 69.

(5) سورة آل عمران، الآية: 152.

(6) سورة القلم، الآية: 25.

(7) سورة النساء، الآية: 66.

(8) سورة فصلت، الآية: 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت