الصفحة 56 من 80

لكنَّهُ غيرُ مستَقِلٍّ بإرادتِهِ وقُدْرتِهِ وفِعلِهِ، كمَا لاَ تَسْتَقِلُّ الأسبابُ بالتَّأْثيرِ في مُسَبِّبَاتِهَا لقولِهِ تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [1] . ولأَنَّ إرادتَهُ، وقدْرتَه، وفعْلَهُ مِنْ صفاتِهِ وَهُوَ مخلوقٌ فتكونُ هذِهِ الصِّفاتُ مخلوقةً أيضًا، لأنَّ الصِّفاتِ تابعةٌ للموصوفِ فخالِقُ الأعيانِ خالقٌ لأوصافِهَا.

فإنْ قالَ قائلٌ: أَفَلاَ يَصِحُّ على هذَا التَّقرِيرِ أنْ يَحتَجَّ بالقدرِ مَنْ خالَفَ الشَّرْعَ؟

فالجوابُ: أنَّ الاحْتِجَاجَ بالقَدَرِ على مخالَفةِ الشَّرْعِ لا يَصِحُّ كما دَلَّ على ذلكَ الكتابُ، والسُّنَّةُ، والنَّظَرُ.

أما الكتابُ: فمِنْ أدلَّتِهِ قولُهُ تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) [2] . فَأَبْطَلَ اللهُ حُجَّتَهُمْ هذِهِ بقولِهِ: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) [3] ومِنْهَا قولُهُ: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [4] . فبيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ الحُجَّةَ قامتْ على النَّاسِ بإرسالِ الرُّسُلِ وَلاَ حُجَّةَ لهمْ على اللهِ بعْدَ ذلكَ، ولوْ كانَ القَدَرُ حُجَّةً ما انْتَفَتْ بإِرسَالِ الرُّسُلِ.

وأما السُّنَّةُ: فمِنْ أدلَّتِهَا ما ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ - رضيَ اللهُ عنهُ - أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ:"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ومقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ". قالُوا: يَا رسولَ اللهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ على كتابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قالَ:"اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [5] ."

وَأَمَّا النَّظَرُ فَمِنْ أَدِلَّتِهِ:

1 -أنَّ تارِكَ الواجِبِ، وفاعِلَ المحرَّمِ يُقْدِمُ على ذلكَ باختيارِهِ لاَ يَشْعُرُ أنَّ أحدًا أكْرَهَهُ عليْهِ، ولا يَعْلَمُ أنَّ ذلكَ مُقَدَّرٌ، لأنَّ القَدَرَ سِرٌّ مَكتومٌ فَلاَ يَعْلَمُ أحدٌ أنَّ شيئًا مَا قدَّرَهُ اللهُ تعالى إلا بعدَ وقوعِهِ، فكيفَ يَصِحُّ أنْ يَحتَجَّ بِحُجَّةٍ لا يَعْلَمُهَا قَبْلَ إِقْدَامِهِ على مَا اعْتَذَرَ بِهَا عَنْهُ؟!

(1) سورة التكوير، الآيتان: 28، 29.

(2) سورة الأنعام، الآية: 148.

(3) سورة الأنعام، الآية: 148.

(4) سورة النساء، الآية: 165.

(5) سورة الليل، الآيات: 5 - 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت