الصفحة 57 من 80

وَلِماذَا لمْ يُقَدِّرْ أنَّ اللهَ تعالى كَتَبَهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَيَعْمَلُ بعملِهِمْ، دونَ أنْ يُقَدِّرَ أنَّ اللهَ كَتَبَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَيَعْمَلُ بِعَمَلِهِمْ؟!

2 -أَنَّ إِقْحَامَ النَّفْسِ في مآثمِ تَرْكِ الواجِبِ، وفِعْلِ المحرَّمِ ظلْمٌ لَهَا وَعُدْوَانٌ عَلَيْهَا كمَا قالَ اللهُ تعالى عنِ المكذِّبينَ لِلرُّسُلِ: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [1] . وَلَوْ أَنَّ أحدًا ظَلَمَ المُحْتَجَّ بالقَدَرِ على مخالفَتِهِ، ثُمَّ قالَ لهُ: ظُلْمِي إِيَّاكَ كانَ بقدَرِ اللهِ. لمْ يَقْبَلْ مِنْهُ هذِهِ الحُجَّةَ، فكيفَ لاَ يَقْبَلُ هذِهِ الْحُجَّةَ بِظلْمِ غَيْرِهِ لَهُ، ثُمَّ يَحْتَجُّ بِهَا بظلْمِهِ هوَ لنفسِهِ؟!.

3 -أنَّ هذَا المحتجَّ لوْ خُيِّرَ في السَّفَرِ بَيْنَ بلدَيْنِ أحدُهُمَا: بلدٌ آمِنٌ مطمَئِنٌّ فيهِ أنْوَاعُ المآكِلِ، والمشاربِ، والتَّنَعُّمِ، والثاَني: بلَدٌ خائفٌ قَلِقٌ، فيهِ أنواعُ البؤْسِ، والشَّقَاءِ، لاخْتَارَ السَّفرَ إلى البلَدِ الأوَّلِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَخْتَارَ الثَّانِي مُحْتَجًَّا بِالقَدَرِ، فلماذَا يَخْتَارُ الأَفْضَلَ في مَقَرِّ الدُّنْيَا، ولاَ يَخْتَارُهُ في مَقَرِّ الآخِرةِ؟!

فإنْ قالَ قائلٌ: ما الجوابُ عنْ قولِهِ تعالى لرسولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) [2] . فَأَخْبَرَ أَنَّ شِرْكَهُمْ واقعٌ بمشيئةِ اللهِ تعالى!.

قيلَ لهُ: الجوابُ عنْهُ: أنَّ اللهَ تعالى أخبرَ أنَّ شِرْكَهُمْ واقعٌ بمشيئتِهِ تسليةً لرسولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا دِفاعًا عَنْهُمْ، وإقامةً للعذْرِ لهمْ، بخلافِ احتجاجِ المشرِكينَ على شِرْكِهِمْ بمشيئةِ اللهِ فإنَّمَا قَصَدُوا بهِ دَفْعَ اللَّومِ عنْهُمْ وإقامةَ العُذْرِ على استمرارِهِمْ على الشِّرْكِ، ولهذَا أبْطَلَ اللهُ احتجاجَهُمْ ولمْ يُبْطِلْ أنَّ شِرْكَهُمْ واقعٌ بمشيئتِهِ.

فإنْ قَالَ قائلٌ: ما الجوابُ عمَّا ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ وغيرِهِمَا عنْ أَبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ:"احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى وَفي لَفْظٍ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجتَنَا مِنَ الجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلاَمِهِ وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ أَتَلُومُنِي عَلى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأرْبَعينَ سَنَةً، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى فحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلاَثًا". وعنْدَ أَحْمَدَ:"فَحَجَّهُ آدَمُ". أيْ غَلَبَهُ في الحُجَّةِ؟

قيلَ لهُ الجوابُ منْ وجهيْنِ:

أحدُهُمَا: أنَّ موسى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لمْ يَعْتِبْ على آدمَ في معصيةٍ تابَ منْها إلى اللهِ تعالى فاجْتَبَاهُ ربُّهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى فَإِنَّ هذَا بعيدٌ جِدًّا أَنْ يَقَعَ مِنْ مُوسَى عليْهِ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ وَهُوَ أجَلُّ قَدْرًا منْ أنْ يلومَ أباهُ ويَعْتِبَ عليهِ في هذَا، وإنَّمَا عَنَى بذلكَ المصيبةَ الَّتي حَصَلَتْ لآدَمَ وبنِيهِ وهيَ الإِخْراجُ منَ الجَنَّةِ الَّذي قدَّرَهُ اللهُ عليْهِ بسببِ المعصيةِ فاحتجَّ آدمُ على ذلكَ بالقدَرِ منْ بابِ الاحتجاجِ بالقدَرِ على المصائبِ، لاَ على المعايِبِ فهُوَ كقولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،"احْرِصْ عَلى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِزْ، وَإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وكَذَا، ولكنْ قُلْ قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ". رواهُ مُسْلِمٌ.

فقدْ أَرشَدَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلى تَفويضِ الأمْرِ إلى قدَرِ اللهِ بعْدَ فِعْلِ الأسبابِ الَّتي يَحصُلُ بهَا المطلوبُ ثمَّ يَتخلَّفُ.

(1) سورة هود، الآية: 101.

(2) سورة الأنعام، الآيتان: 106، 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت