الصفحة 58 من 80

ونظيرُ هذَا أنْ يُسافِرَ شَخْصٌ فيُصَابَ بحادِثٍ في سفرِهِ فيُقالَ لَهُ: لماذا تُسافِرُ؟ فيقولُ هذَا أمْرٌ مُقدَّرٌ والْمُقدَّرُ لاَ مَفَرَّ مِنْهُ، فإنَّهُ لا يَحتجُّ هُنَا بالقدَرِ على السَّفَرِ لأنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ لاَ مُكْرِهٌ لَهُ وأنَّهُ لمْ يُسَافِرْ ليُصِيبَهُ الحادِثُ، وإنَّما يَحتَجُّ بالقدَرِ على المصيبةِ الَّتي ارتَبَطَتْ بهِ وهذَا هوَ الوجهُ الذِي اختارَهُ الشَّيْخُ المؤلِّفُ في هذِهِ العَقيدَةِ.

الوجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الاحْتِجَاجَ بالقَدرِ على ترْكِ الواجِبِ، أَوْ فِعْلِ المحرَّمِ بَعْدَ التَّوْبَةِ جائزٌ مقبولٌ، لأنَّ الأثَرَ المترتِّبَ على ذلكَ قدْ زالَ بالتَّوْبَةِ فانْمَحى بهِ توجُّهُ اللَّوْمِ على المُخالَفَةِ، فلمْ يَبْقَ إلاّ مَحْضُ القَدَرِ الّذي احتَجَّ بهِ لاَ ليستَمِرَّ على ترْكِ الواجِبِ، أَوْ فِعْلِ المحظورِ ولكنْ تفويضًا إلى قدَرِ اللهِ تعالى الَّذِي لا بُدَّ منْ وقوعِهِ.

وقدْ أشارَ إلى هذَا ابنُ القيِّمِ في - شِفَاءِ العَلِيلِ - وقالَ إِنَّهُ لَمْ يَدفَعْ بالقَدَرِ حَقًّا ولاَ ذَكَرَهُ حُجَّةً لَهُ على باطلٍ ولاَ محذورٍ في الاحتجاجِ بهِ، وأَمَّا الموضِعَ الّذِي يَضُرُّ الاحتجاجُ بهِ فَفِي الحالِ والمستقْبَلِ بأنْ يَرتكِبَ فِعْلًا محرَّمًا، أوْ يَتركَ واجبًا فيلومَهُ عليْهِ لائمٌ فيَحتجُّ بالقَدَرِ على إقامَتِهِ عليْهِ وإصرارِهِ فَيُبْطِلُ بالاحتجاجِ بهِ حَقًّا ويَرتكبُ باطلًا، كَما احْتَجَّ بهِ المُصِرُّونَ على شِرْكِهِمْ وعِبادتِهِمْ غيرَ اللهِ فقالُوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا) [1] . (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) [2] . فاحْتَجُّوا بهِ مُصَوِّبينَ لِمَا همْ عليهِ وأنَّهُمْ لمْ يَنْدَمُوا على فِعْلِهِ ولمْ يَعزِمُوا على تَرْكِهِ ولمْ يُقِرُّوا بِفَسَادِهِ فهذَا ضِدُّ احتجاجِ منْ تَبيَّنَ لهُ خطأُ نفسِهِ، ونَدِمَ، وعَزَمَ كلَّ العَزْمِ على أنْ لاَ يعودَ .. ونُكتَةُ المسألةِ أنَّ اللَّوْمَ إذَا ارتَفعَ صَحَّ الاحتجاجُ بالقَدَرِ، وإذا كانَ اللَّوْمُ واقعًا فالاحتجاجُ بالقَدَرِ باطلٌ، ثُمَّ ذَكَرَ حديثَ عليٍّ رضيَ الله عنهُ حينَ طرَقَهُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفاطمةَ ليْلًا فقالَ: (ألا تُصَلِّيَانِ) . الحديثُ. وأَجابَ عنْهُ بأنَّ احْتجاجَ عليٍّ صحيحٌ (ولذلكَ لمْ يُنكِرْ عليْهِ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [3] . صَاحبُهُ يُعْذَرُ فيهِ فالنَّائِمُ غيرُ مُفَرِّطٍ واحْتِجَاجُ غَيْرِ المفَرِّطِ بالقَدَرِ صَحِيحٌ.

فَصْلٌ

في ضَرُورَةِ الإيمَانِ بِالقَدَرِ والشَّرْعِ

لاَ بُدَّ للإِنْسَانِ مِنَ الإِيمانِ بالقَدَرِ لأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِيمانِ السِّتَّةِ، ولأنَّهُ مِنْ تَمامِ توحيدِ الرُّبوبيَّةِ، ولأنَّ بهِ تحقيقَ التَّوَكُّلِ على اللهِ تعالى وتفويضِ الأمْرِ إليْهِ معَ القيامِ بالأسبابِ الصَّحيحةِ النَّافِعةِ، ولأنَّ بهِ اطمئنانَ الإِنسانِ في حياتِهِ حيثُ يَعْلَمُ أنَّ مَا أصابَهُ لمْ يكنْ ليُخْطِئَهُ، ومَا أخطأَهُ لمْ يكنْ ليصيبَهُ، ولأنَّ بهِ يَنتفِي الإعجابُ بِالنَّفْسِ عندَ حصولِ المرادِ، لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ حصولَهُ بقَدَرِ اللهِ، وأنَّ عَمَلَهُ الذِي حَصَّلَ بهِ مُرادَهُ ليْسَ إلا مُجَرَّدَ سببٍ يَسَّرَهُ اللهُ لَهُ، ولأنَّ بهِ يزولُ القلقُ والضَّجَرُ عندَ فواتِ المرادِ، أوْ حصولِ المكروهِ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ الأمْرَ كلَّهُ للهِ فيَرْضَى ويُسلِّمُ. وإلى هذيْنِ الأمريْنِ يشيرُ قولُهُ تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخورٍ) [4] .

(1) سورة الأنعام، الآية: 148.

(2) سورة الزخرف، الآية: 20.

(3) ما بين القوسين مني.

(4) سورة الحديد، الآية: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت