فهرس الكتاب
ولاَ بُدَّ للإِنْسَانِ أيضًا مِنَ الإِيمانِ بالشَّرْعِ وَهُوَ ما جاءتْ بهِ الرُّسُلُ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ منْ أمْرِ اللهِ ونَهْيِهِ، وما يَترتَّبُ عليهِمَا منَ الجَزَاءِ ثَوَابًا أوْ عِقَابًا فيقومُ بمَا يَلزَمُهُ نحوَ الأمْرِ والنَّهْيِ، ويُؤْمِنُ بمَا يَترتَّبُ عليْهِمَا مِنَ الجَزَاءِ.
وذلكَ لأنَّ الإِنسانَ مريدٌ فلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلٍ يُدْرِكُ بهِ ما يُريدُ، ويَدفَعُ بهِ ما لاَ يُريدُ، ولاَ بُدَّ لهُ مِنْ ضَابطٍ يَضْبِطُ تَصَرُّفَهُ لِئلاَّ يَقَعَ فيمَا يَضُرُّهُ، أَوْ يَفوتَهُ مَا يَنفَعُهُ منْ حيثُ لاَ يَشعُرُ، والشَّرْعُ الإِلهيُّ الّذِي جاءتْ بهِ الرُّسُلُ هوَ الذِي يَضبِطُ ذلكَ، ويَصْدُرُ الحكْمُ بهِ، ويكونُ بهِ التَّمْييزُ بيْنَ النَّافِعِ، والضَّارِّ والصَّالِحِ والفاسِدِ، لأنَّهُ منْ عنْدِ اللهِ العليمِ، الرَّحيمِ، الحكيمِ.
والعُقُولُ وإنْ كانتْ تُدرِكُ النَّافِعَ، والضَّارَّ في الجُمْلَةِ، لكنَّ تفصيلَ ذلكَ والإِحاطةَ بهِ إحاطةً تامَّةً إِنَّمَا يكونُ منْ جِهَةِ الشَّرْعِ.
وَلِهذَا نقولُ: النَّفْعُ، أَوْ الضَّرَرُ قدْ يكونُ معلومًا بالفِطرةِ، وقدْ يكونُ معلومًا بالعَقْلِ، وقدْ يكونُ معلومًا بالتَّجَارُبِ، وقدْ يكونُ معلومًا بالشَّرْعِ.
فالشَّرْعُ يَأتِي مؤيِّدًا لما شَهِدَتْ بهِ الفِطْرَةُ، والعَقْلُ، والتَّجاربُ وهذِهِ تأتي شاهدةً لما جَاءَ بهِ الشَّرعُ.
وَفِي هذَا المقامِ اخْتلَفَ النَّاسُ في الأعمالِ هلْ يُعرَفُ حُسْنُهَا وقُبْحُهَا بالشَّرعِ، أَوْ بالعَقْلِ؟
وَالتَّحْقِيقُ: أنَّ ذلكَ يُعرَفُ تارةً بالشَّرْعِ، وتارةً بالعَقْلِ، وتارةً بِهِمَا، لكنَّ عِلْمَ ذلكَ على وجْهِ الشُّمولِ، والتَّفْصِيلِ، وعِلْمَ غاياتِ الأعمَالِ في الآخِرَةِ منْ سعادةٍ، وشقاءٍ ونحوِ ذلكَ لاَ يُعْلَمُ إِلاَّ بالشَّرْعِ.
فَصْلٌ
إذَا تبيَّنَ أنَّهُ لاَ بُدَّ للإِنْسَانِ منَ الإيمانِ بالقدَرِ، والإِيمانِ بالشَّرعِ فاعلَمْ أنَّ النَّاسَ انقَسَمُوا في ذلكَ إلى قسْمَيْنِ:
القِسْمُ الاَوَّلُ: أهلُ الهُدى، والفلاَحِ الذينَ آمَنُوا بقضاءِ اللهِ وقدَرِهِ على مَا سَبَقَ بيانُهُ مِنَ المراتِبِ الأَرْبَعِ، وآمَنُوا أيضًا بشرعِهِ فقامُوا بأمرِهِ ونَهيِهِ وآمَنُوا بمَا تَرَتَّبَ على ذلكَ منْ جزاءٍ، ولمْ يَحتَجُّوا بقدَرِهِ على شرْعِهِ، أوْ بشرْعِهِ على قدَرِهِ ولمْ يَجعلُوا ذلكَ تناقُضًا منَ الخالِقِ، وهؤلاءِ همْ أهلُ الحقِّ الّذينَ حقَّقُوا مقامَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [1] . المؤمنينَ بمقْتَضى قولِهِ تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [2] .
القِسْمُ الثَّاني: أهلُ الضَّلالِ، والهلاكِ المخالِفونَ للجماعةِ وهمْ ثلاثُ فِرَقٍ: مجوسيَّةٌ، ومُشْرِكيَّةٌ، وإبليسيَّةٌ.
فالمجوسيَّةُ همُ: القَدَرِيَّةُ الّذينَ آمَنُوا بشَرْعِ اللهِ، وكذَّبُوا بقدِرِهِ، فغُلاتُهُمْ أَنكَرُوا عُمومَ علْمِ اللهِ تعالى وقالُوا: إنَّ اللهَ تعالى لمْ يُقَدِّرْ أعْمالَ العِبادِ ولاَ عِلْمَ لهُ بهَا قَبْلَ وقوعِهَا، ومُقتَصِدُوهُمْ آمَنُوا بعِلْمِ اللهِ بهَا قَبْلَ وقوعِهَا وأَنكَرُوا أنْ تكونَ واقعةً بقدَرِ اللهِ تعالى وأنْ تكونَ مخلوقَةً لهُ.
وهؤلاءِ همُ المعتزِلةُ ومنْ وَافَقَهُمْ. ومَذهبُهُمْ باطلٌ بما سَبَقَ في أدلَّةِ مراتِبِ القَدَرِ.
(1) سورة الفاتحة، الآية: 5.
(2) سورة الأعراف، الآية: 54.