فهرس الكتاب
والمشركيَّةُ همُ: الّذينَ أَقرُّوا بقَدَرِ اللهِ واحتَجُّوا بهِ على شرْعِهِ كمَا قالَ اللهُ تعالى عنهُمْ: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) [1] .
والإِبليسيَّةُ همُ: الّذينَ أقرُّوا بالأمريْنِ بالقدَرِ، وبالشَّرعِ لكنْ جَعلُوا ذلكَ تناقُضًا منَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وطَعنُوا في حكمتِهِ تعالى، وقالُوا: كيفَ يأمُرُ العِبادَ ويَنهاهُمْ، وقدْ قَدَّرَ عليْهِمْ ما قَدَّرَ ممَّا قدْ يكونُ مخالِفًا لمَا أَمَرَهُمْ بهِ ونهاهُمْ عنْهُ فهلْ هذَا إلا التناقُضُ المحْضُ والتَّصَرُّفُ المنافي للحِكْمَةِ؟
وهؤلاءِ أَتْباعُ إبليسَ فقدِ احتجَّ على اللهِ عزَّ وجَلَّ حينَ أَمَرَهُ أنْ يَسجُدَ لآدَمَ فقالَ إبليسُ: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [2] .
والردُّ على هاتيْنِ الفرقَتَيْنِ معلومٌ مِنَ الرَّدِّ على المحتجِّينَ بالقدَرِ على معصيةِ اللهِ تعالى.
فَصْلٌ
وأمَّا الشَّرْعُ فهُوَ مَا جاءتْ بهِ الرُّسلُ منْ عِبادةِ اللهِ تعالى التي منْ أجْلِهَا خَلَقَ اللهُ الْجِنَّ والإِنسَ لقولِهِ تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ) [3] . وذلكَ هوَ الإِسلامُ الّذي لا يَقْبَلُ اللهُ منْ أَحدٍ دينًا سواهُ لقولِهِ تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [4] .
فالإِسلامُ هوَ الاسْتِسْلامُ للهِ وحْدَهُ بالطَّاعةِ فعْلًا للمأمورِ وتَرْكًا للمحظورِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ كانتٍ الشَّريعةُ فيهِ قائمةً، وهذَا هوَ الإِسلامُ بالمعنى العامِّ. وعلى هذَا يكونُ أصحابُ الْمِلَلِ السَّابعةِ مسلمينَ حينَ كانتْ شرائِعُهُمْ قائمةً لم تُنسَخْ كمَا قالَ اللهُ تعالى عن نوحٍ وهوَ يُخاطِبُ قومَهُ: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [5] .
وقالَ عنْ إبْراهِيمَ: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [6] . وقالَ أيْضًا: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [7] .
(1) سورة الأنعام، الآية: 148.
(2) سورة الأعراف، الآية: 12.
(3) سورة الذاريات، الآية: 56.
(4) سورة آل عمران، الآية: 85.
(5) سورة يونس، الآية: 72.
(6) سورة آل عمران، الآية: 67.
(7) سورة البقرة، الآيتان: 131، 132.