الصفحة 61 من 80

وقالَ عنْ موسى في مخاطَبتِهِ قومَهُ: (يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) [1] . وقالَ عنِ التَّوْرَاةِ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) [2] .

وقالَ عنِ الحواريِّينَ أَتْباعِ عيسى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) [3] .

وقالَ عنْ ملِكَةِ سَبَأٍ: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [4] .

وأمَّا الإِسلامُ بالمعنى الخَاصِّ فيَخْتَصُّ بشريعةِ محمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ اللهُ تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [5] . وقالَ في أمَّتِهِ: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) [6] .

فَلاَ إسلامَ بعدَ بَعثتِهِ إلاَّ باتِّباعِهِ، لأنَّ دينَهُ مهيمِنٌ على الأديانِ كلِّهَا ظاهرٌ عليْهَا، وشريعتُهُ ناسخةٌ للشَّرائعِ السَّابِقَةِ كلِّها قالَ اللهُ تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [7] .

والّذي جاءَ مصدِّقًا لِمَا معَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ هوَ محمَّدٌ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كمَا قالَ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [8] . وقالَ تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [9] . وهذَا يَعُمُّ الظهورَ قدَرًا وشَرْعًا.

فمنْ بَلغَتْهُ رسالةُ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمْ يُؤمِنْ بهِ ويَتَّبِعْهُ لمْ يكنْ مؤمِنًا ولاَ مسْلمًا بلْ هوَ كافرٌ منْ أهلِ النَّارِ لقولِ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ مِنْ هذِهِ الأمَّةِ - يَعْنِي أمَّةَ الدَّعْوَةِ - يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يموتُ ولمْ يؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ إلاَّ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". أخْرَجهُ مسلِمٌ منْ حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنْهُ."

وبهذَا يُعْلَمُ أنَّ النِّزاعَ فيمنْ سَبَقَ منَ الأُمَمِ هلْ همْ مسلِمونَ أَوْ غَيْرُ مسلمينَ؟ نزاعٌ لفْظِيٌّ، وذلكَ لأنَّ الإِسْلامَ بالمعنى العامِّ يَتناولُ كلَّ شريعةٍ قائمةٍ بَعَثَ اللهُ بهَا نبيًَّا فيَشمَلُ إسلامَ كلِّ أمَّةٍ متَّبِعَةٍ لنبيٍّ منَ الأنبياءِ مَا دامتْ شريعَتُهُ قائمةً غيرَ منسوخَةٍ

(1) سورة يونس، الآية: 84.

(2) سورة المائدة، الآية: 44.

(3) سورة المائدة، الآية: 111.

(4) سورة النمل، الآية: 44.

(5) سورة الأنعام، الآيتان: 162، 163.

(6) سورة الحج، الآية: 78.

(7) سورة آل عمران، الآية: 81.

(8) سورة المائدة، الآية: 48.

(9) سورة التوبة، الآية: 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت