فهرس الكتاب
بالاتِّفاقِ كمَا دلَّتْ على ذلكَ النُّصُوصُ السَّابقةُ، وأمَّا بعدَ بعثةِ النَّبيِّ محمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ الإِسلامَ يَختصُّ بمَا جاءَ بهِ فمنْ لمْ يؤمنْ بهِ ويَتَّبِعْهُ فليْسَ بِمُسْلِمٍ.
ومنْ زَعَمَ أنَّ معَ دِينِ محمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دينًا سواهُ قائمًا مقبُولًا عنْدَ اللهِ تعالى منْ دينِ اليهودِ، أوِ النَّصارى، أو غيرِهِمَا فهوَ مُكذِّبٌ لقولِ اللهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلاَمُ) [1] . وقولِهِ: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [2]
وإذَا كانَ الإِسلامُ اتِّباعَ الشَّرِيعةِ القائمةِ، فإنَّهُ إذَا نُسِخَ شيءٌ منْهَا لمْ يكنِ المَنْسوخُ دينًا بعْدَ نسْخِهِ ولاَ اتّباعُهُ إسلامًا.
فاسْتقْبالُ بيتِ المقْدِسِ - مَثَلًا - كانَ دينًا وإسْلامًا قَبْلَ نسخِهِ، ولَمْ يكنْ دينًا ولاَ إسْلامًا بعْدَهُ. وزيارةُ القبورِ لمْ تَكُنْ دِينًا ولاَ إسلامًا حينَ النَّهْيِ عنْهَا وكانتْ دينًا وإسْلامًا بعْدَ الأمْرِ بِهَا.
فَصْلٌ
مَبْنَى الإِسلامِ على توحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ قالَ اللهُ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [3] . ولا بُدَّ في التَّوحيدِ منَ الجَمْعِ بينَ النَّفْيِ والإِثباتِ، لأنَّ النَّفيَ وحدَهُ تعطيلٌ، والإِثباتَ وحْدَهُ لا يَمنعُ المشاركةَ فلا توحيدَ إلاَّ بنفيٍ وإثْباتٍ.
وقدْ قسَّمَهُ العلماءُ - بالتَّتَبُّعِ والاسْتقراءِ - إلى ثلاثةِ أَقسَامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ.
القِسْمُ الثَّاني: توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
القِسْمُ الثالثُ: توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وقدْ جَمَعَ اللهُ هذهِ الأقسامَ في قولِهِ تعالى: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [4] .
فأمَّا توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ فهوَ إفرادُ اللهِ تعالى بالخَلْقِ، والمُلْكِ، والتَّدبيرِ.
ومنْ أدلَّتِهِ قولُهُ تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [5] . وقولُهُ: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [6] وقولُهُ: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [7] .
(1) سورة آل عمران، الآية: 19.
(2) سورة آل عمران: الآية 85.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 108.
(4) سورة مريم، الآية: 65.
(5) سورة الأعراف، الآية: 54.
(6) سورة آل عمران، الآية: 189.
(7) سورة سبأ، الآيتان: 22، 23.