الصفحة 63 من 80

وهذَا قدْ أَقَرَّ بهِ المشركونَ الّذينَ بُعِثَ فيهمْ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كمَا قالَ اللهُ تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [1] . (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [2] . وقالَ تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) [3] .

وقالَ تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) ، إلى قولِهِ: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [4] .

ولم يكنْ أحدٌ منْ هؤلاءِ المشركينَ ولاَ غيرِهِمْ ممَّنْ يُقِرُّ بالخالقِ يَعتَقدُ أنَّ أحدًا منَ الخَلْقِ شارَكَ اللهَ تعالى في خلْقِ السَّمواتِ والأَرْضِ أوْ غيرِهِمَا، ولاَ أنَّ للعالَمِ صانِعَيْنَ متكافِئَيْنَ في الصِّفاتِ والأفعالِ، ولم يَنقُلْ أربابُ المقالاتِ الّذينَ جَمَعُوا مَا قيلَ في المِلَلِ والنِّحَلِ، والآراءِ والدِّياناتِ عنْ أحدٍ منَ النَّاسِ أنَّهُ قالَ بذلكَ.

وغايةُ ما نَقلُوا قولَ الثَّنَويَّةِ القائِلينَ بالأصْلَيْنِ: النورِ، والظُّلمةِ، وأنَّ النورَ خلَقَ الخيرَ، والظُّلْمَةَ خَلَقَت الشَّرَّ، لكنَّهُمْ لاَ يقولونَ بتساويهِمَا وتكافئِهِمَا فالنُّورُ مُضيءٌ موافِقٌ للفطرةِ، بخلافِ الظُّلْمَةِ.

والنُّورُ قديمٌ، ولهمْ في الظُّلْمَةِ قولاَنِ:

أحدُهُمَا: أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مخلوقةٌ للنُّورِ، فيكونُ النُّورُ أَكمَلَ منْهَا.

الثَّاني: أَنَّهَا قديمةٌ لكنَّهَا لا تَخْلُقُ إلا الشَّرَّ.

فصَارت الظُّلْمَةُ ناقِصَةً عنِ النُّورِ في مفْعُولاتِهَا، كمَا أنَّهَا ناقصةٌ عنْهُ في وجودِهَا وصِفَاتِهَا. وأمَّا قولَ فِرْعَونَ لِقَوْمِهِ حينَ جَمَعَهُمْ فنَادَى: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [5] . وقولُهُ: (يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [6] . فمُكابَرةٌ لمْ يَصدُرْ عنْ عقيدةٍ، بلْ كانَ يَعتقدُ في قَرارةِ نفسِهِ أنَّ اللهَ هوَ ربُّ السَّمواتِ والأَرْضِ ولهذَا لم يَكْذِبْ موسى حينَ قاَلَ لهُ: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لاَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) [7] . واقْرأْ قولَهُ تعالى عنْ فِرعونَ وقومِهِ: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [8] .

(1) سورة الزخرف، الآية: 87.

(2) سورة لقمان، الآية: 25.

(3) سورة يونس، الآية: 31.

(4) سورة المؤمنون، الآيات: 84 - 90.

(5) سورة النازعات، الآية: 24.

(6) سورة القصص، الآية: 38.

(7) سورة الإِسراء، الآي: 102.

(8) سورة النمل، الآية: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت