فهرس الكتاب
وأما قولُ منْ قالَ منَ النَّاسِ إنَّ بعْضَ الحوادثِ مخلوقةٌ لغيرِ اللهِ كالقدريَّةِ الذينَ يقولونَ إنَّ العِبادَ خَلَقُوا أفعالَهُمْ، فإنَّهُمْ يُقِرُّونَ بأنَّ العِبادَ مخلوقونَ واللهَ تعالى هوَ خالِقُهُمْ وخالِقُ قُدْرَتِهِم.
وكذلكَ أهلُ الفلسَفَةِ، والطَّبْعِ، والنُّجُومِ الّذينَ يَجعلونَ بعضَ المخلوقاتِ مُبْدِعَةٌ لبعضِ الأمورِ يَعتقدونَ أنَّ هذِهِ الفاعلاتِ مخلوقةٌ حادثةٌ.
وبهذَا يَتقرَّرُ أنَّهُ لمْ يكنْ أحدٌ منَ النَّاسِ يَدَّعي أَنَّ للعالَمِ صانعِينَ متكافِئَيْنَ.
فَصْلٌ
وأما توحيدُ الألوهيَّةِ فهوَ: إفرادُ اللهِ تعالى بالعِبادةِ بأنْ يُعْبَدَ وحدَهُ ولاَ يُعْبَدَ غيرُهُ منْ مَلِكٍ، أوْ رسولٍ، أو نَبِيٍّ، أوْ وَلِيٍّ، أوْ شجرٍ، أوْ حجرٍ، أوْ شمسٍ، أوْ قمرٍ، أوْ غيرِ ذلكَ كائنًا منْ كانَ.
ومن أدلَّتِهِ قولُهُ تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [1] .
وقولُهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [2] . وقولُهُ: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [3] . وقولُهُ: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [4] .
وهذَا النَّوْعُ قدْ أَنكَرَهُ المشركُونَ الّذينَ بُعِثَ فيهمْ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قالَ اللهُ تعالى عنْهُمْ: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) [5] . وقالَ تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) [6] .
ومنْ أجْلِ إنكارِهِمْ أيَّاهُ قاتَلَهُمُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستَباحَ دماءَهُمْ وأموالَهُمْ، وسَبَى نَساءَهُمْ وذرِّيَّاتِهِمْ بإذْنِ اللهِ تعالى وأَمْرِهِ، ولمْ يكنْ إقرارُهُمْ بتوحيدِ الرُّبُوبيَّةِ مُخْرِجًا لهمْ عنِ الشِّرْكِ، ولاَ عاصِمًا لدمائِهِمْ وأموالِهِم.
وتحقيقُ هذَا النَّوْعِ أنْ يُعْبَدَ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ بشرعِهِ الّذي جاءتْ بهِ رُسلُهُ كمَا قالَ اللهُ تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [7] . فَمَنْ لمْ يَعْبدِ اللهَ تعالى فهوَ مسْتَكِبرٌ غيرُ موحِّدٍ، ومنْ عَبَدَهُ وعبَدَ غيرَهُ فهوَ مُشْرِكٌ غيرُ موِّحدٍ، ومنْ عَبَدَهُ بمَا لمْ يُشرِّعْهُ فهوَ مُبتَدِعٌ ناقصُ التَّوْحيدِ حيثُ جَعَلَ للهِ تعالى شريكًا في التَّشْرِيعِ.
(1) سورة النساء، الآية: 36.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 25.
(3) سورة البقرة، الآية 163.
(4) سورة آل عمران، الآية: 18.
(5) سورة الصافات، الآيتان: 35، 36.
(6) سورة ص، الآيات: 4 - 6.
(7) سورة الكهف، الآية: 110.