فهرس الكتاب
والعِبادةُ تُطلَقُ على معنَيَيْنِ:
أحدُهُمَا: التَّعَبُّدُ وهوَ فِعْلُ العابدِ فتكونُ بمعنى التذلُّلُ للمعبودِ حُبًّا وتعظيمًا وهذَانِ - أَعني الحُبَّ والتَّعظيمَ - أساسُ العِبادةِ فبالْحُبُّ يكونُ طلَبُ الوصولِ إلى مرضاةِ المعبودِ بفعْلِ ما أَمَرَ بهِ، وبالتَّعظيمِ يكونُ الهربُ منْ أسبابِ غضَبِهِ بتَرْكِ ما نَهَى عنْهُ.
الثاني: المتعبَّدُ بهِ فتكونُ اسْمًا جامِعًا لكلِّ ما يُتعبَّدُ بهِ لله تعالى، كالطهارةِ، والصَّلاةِ، والصَّدَقةِ، والصَّومِ، والحجِّ، وبِرِّ الوالدين، وصلةِ الأرحامِ، وغيرِ ذلك من أنواعِ العِبادةِ.
وللعِبادةِ شرْطَانِ:
أحدُهُمَا: الإِخلاصُ للهِ عزَّ وَجَلَّ بأنْ لا يُريدَ بهَا سوى وجْهِ اللهِ والوصولِ إلى دارِ كرامَتِهِ، وهذَا منْ تحقيقِ شهادةِ أنْ لاَ إلهَ إلاّ اللهُ.
الثَّاني: المتابَعةُ لرسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأنْ لا يُتَعبَّدَ للهِ تعالى بغيرِ مَا شَرَعَهُ، وهذَا من تحقيقِ شَهادةِ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ.
فالْمُشرِكُ في العِبادةِ لا تُقْبَلُ عِبادتُهُ، ولا تَصِحُّ لفَقْدِ الشَّرْطِ الأَوَّلِ.
والمبتَدِعُ فيهَا لا تُقْبَلُ، ولا تَصِحُّ لفقْدِ الشَّرطِ الثاني.
وقدْ دلَّ على هذيْنِ الشَّرطيْنِ كتابُ اللهِ تعالى، وَسُنَّةُ رسولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فمنْ أدلَّةِ اشتراطِ الإِخلاصِ منْ كتابِ اللهِ قولُهُ تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [1] . وقولُهُ: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [2] . وقولُهُ: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [3] . إلى غيرِ ذلكَ منَ الآياتِ الكثيرةِ المتنوِّعَةِ الدَّلالَةِ.
ومنْ أدلَّتِهِ منَ السُّنَّةِ ما أَخرَجَهُ البخاريُّ ومسلِمُ عنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقولُ:"يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ وإنَّمَا لامْرِئٍ ما نَوَى، فمَنْ كانتْ هِجْرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ، ومنْ هاجَرَ إلى دنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امرأةٍ يَتزوَّجُهَا فهجرتُهُ إلى مَا هاجَرَ إليْهِ". هذَا أحدُ ألفاظِ البُخَاريِّ.
وفي صحيحِ مسلِمٍ عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْركَ فيهِ مَعِي غَيْري تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ".
(1) سورة الزمر، الآيتان: 2، 3.
(2) سورة البينة، الآية: 5.
(3) سورة الأنعام، الآية: 88.