فهرس الكتاب
ولاَ يَجوزُ إثباتُ اسمٍ أَوْ صِفَةٍ للهِ تعالى معَ التَّمْثيلِ لقولِهِ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [1] . وقولِهِ: (فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [2] . ولأنَّ ذلكَ إشراكٌ باللهِ تعالى يَستلزِمُ تحريفَ النُّصوصِ، أو تكذيبَهَا معَ تَنَقُّصِ اللهِ تعالى بتمثيلِهِ بالمخلوقِ النَّاقِصِ.
ولاَ يَجوزُ إثباتُ اسمٍ، أوْ صفةٍ للهِ تعالى معَ التَّكْييفِ لأنَّ ذلكَ قولٌ على اللهِ تعالى بلاَ عِلْمٍ، يَستلزِمُ الفوضى والتَّخبُّطَ في صفاتِ اللهِ تعالى، إذْ كلُّ واحدٍ يَتخيَّلُ كيفيَّةً معيَّنَةً غيرَ ما تَخيَّلَهُ الآخَرُ، ولأنَّ ذلكَ محاولةٌ لإِدراكِ ما لاَ يُمْكِنُ إدراكُهُ بالعقولِ، فإنَّكَ مَهْمَا قَدَّرْتَ منْ كيفيَّةٍ فاللهُ أعلى وأعظمُ.
وهذَا النَّوْعُ منَ التَّوحِيدِ هوَ الّذي كَثُرَ فيهِ الخَوْضُ بَيْنَ أهلِ القِبْلَةِ فانْقَسَمُوا في النُّصُوصِ الواردةِ فيهِ إلى سِتَّةِ أقْسَامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: منْ أجْرُوهَا على ظاهِرَها اللاَّئِقِ باللهِ تعالى مِنْ غَيْرِ تحريفٍ، ولاَ تعطيلٍ، ولاَ تكييفٍ، ولاَ تمثيلٍ.
وهؤلاءِ همُ السَّلَفُ وهذَا هوَ الصَّوَابُ المقْطُوعُ بهِ لدلالةِ الكتابِ، والسُّنَّةِ، والعقلِ، والإِجماعِ السَّابِقِ عليْهِ دلالةً قطعيةً أو ظَنِّيَّةً.
القِسْمُ الثَانِي: منْ أجرُوهَا على ظاهرِهَا، لكنْ جعلوهَا مِنْ جِنْسِ صفاتِ المخلوقينَ.
وهؤلاءِ همُ المُمَثِّلةِ، ومذهبُهُمْ باطلٌ بالكتابِ، والسُّنَّةِ والعَقْلِ، وإنكارِ السَّلَفِ.
القسْمُ الثَّالِثُ: منْ أَجرُوهَا على خلافِ ظاهرِهَا، وعَيَّنُوا لهَا معانيَ بعقولِهِمْ، وحرَّفُوا مِنْ أَجْلِهَا النُّصُوصَ.
وهؤلاءِ همْ أهلُ التَّعْطِيلِ فمنْهُمْ مَنْ عَطَّلَ تعطيلًا كبيرًا كالجَهْميَّةِ والمعتزِلةِ ونحوِهِمْ، ومنْهُمْ منْ عَطَّلَ دونَ ذلكَ كالأشاعِرةِ.
القِسْمُ الرَّابِعُ: مَنْ قالُوا: اللهُ أعلمُ بمَا أرادَ بهَا، فَوَّضُوا عِلْمَ معانِيهَا إلى اللهِ وحدَهُ.
وهؤلاءِ همْ أهْلُ التَّجْهِيلِ المُفَوِّضَةِ، وَتَنَاقَضَ بعضُهُمْ فَقَالَ: اللهُ أَعلَمُ بما أَرادَ، لكنَّهُ لمْ يُرِدْ إثباتَ صفةٍ خارجيَّةٍ لهُ تعالى.
القِسْمُ الخَامِسُ: مَنْ قالُوا: يَجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بهذِهِ النُّصُوصِ إثباتَ صفةٍ تليقُ باللهِ تعالى وأنْ لا يكونَ المرادُ ذلكَ.
وهؤلاءِ كثيرٌ منَ الفُقَهَاءِ وغيرِهِمْ.
القِسْمُ السَّادِسُ: منْ أَعْرَضُوا بقلوبِهِمْ وأَمْسَكُوا بألسِنَتِهِمْ عنْ هذَا كلِّهِ واقتَصَرُوا على قراءةِ النُّصُوصِ ولمْ يقولُوا فيهَا بشيءٍ [3] .
(1) سورة الشورى، الآية: 11.
(2) سورة النحل، الآية: 74.
(3) ذكر هذه الأقسام في الفتوى الحموية.