فهرس الكتاب
وهذِهِ الأقسامُ سوى الأوَّلِ باطلةٌ كمَا قدْ تَبيَّنَ في غيرِ هذَا المَوْضِعِ.
فَصْلٌ
وبهذَا التَّقْريرِ عن أقسَامِ التَّوْحيدِ يَتبيَّنُ غَلَطُ عامَّةِ المتكلِّمينَ في مُسَمَّى التَّوْحيدِ حيثُ جعلوهُ ثلاثةَ أَنْوَاعٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللهَ واحدٌ في ذاتِهِ لا قسيمَ لهُ، أوْ لا جُزْءَ لَهُ، أو لاَ بَعْضَ لهُ.
الثَّاني: أنَّهُ واحدٌ في صفاتِهِ لا شَبيهَ لَهُ.
الثَّالِثُ: أنَّهُ واحدٌ في أفعالِهِ لاَ شريكَ لَهُ.
وبيانُ غَلَطِهِمْ مِنْ وُجوهٍ:
أَحَدُهَا: أنَّهُمْ لمْ يُدخِلُوا فيهِ توحيدَ الأُلوهيَّةِ وهوَ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ في أُلوهيَّتِهِ لا شَريكَ لَهُ فيُفْرَدُ وَحدَهُ بالعِبادَةِ، معَ أنَّ هذَا النٍَّوْعَ منَ التَّوحيدِ هوَ الذي منْ أَجْلِهِ خَلَقَ الجِنَّ والإِنْسَ لقولِهِ تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ) [1] .
ومنْ أجْلِهِ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الكُتُبُ لقولِهِ تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [2] . وقولِهِ: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [3] . وَقَدْ قامَ الرُّسُلُ عليْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بذلكَ يَدْعُونَ قَوْمَهُمْ (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [4] . أيْ ما لَكُمْ مِنْ معبودٍ حقٍّ غيرِ اللهِ، فجميعُ الآلهةِ سِوَاهُ باطلةُ كمَا قالَ تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [5] .
ومنْ أجْلِهِ قامت المعاركُ الكلاميَّةُ، والقتاليَّةُ بينَ الرُّسُلِ وأقوامِهِمُ المُكَذِّبِينَ لهُمْ كمَا قالَ اللهُ تعالى عنْ قومِ نوحٍ: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [6] . وقالَ عنْ قومِ هودٍ: (قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلاَ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ) [7] . وقالَ في إبْراهِيمَ وقومِهِ: (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [8] . وقالَ عنِ المكذِّبينَ لمُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَ هُزُوًا
(1) سورة الذاريات، الآية: 56.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 25.
(3) سورة النحل، الآية: 36.
(4) سورة المؤمنون، الآية: 32.
(5) سورة لقمان، الآية: 32.
(6) سورة هود، الآية: 32.
(7) سورة هود، الآيتان: 53، 54.
(8) سورة الأنبياء، الآيات: 66 - 69.