الصفحة 70 من 80

أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) [1] . وقالَ: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) [2] . وقالَ في أعدائِهِ: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [3] .

والمهمُّ أنَّ هذَا التَّوحيدَ الّذِي هذَا شَأْنُهُ قدْ أغفَلَهُ عامَّةُ المتكلِّمينَ الذينَ يَتكلَّمونَ في أنواعِ التَّوْحِيدِ، وهوَ أحدُ وجوهِ غَلَطِهِمْ في مُسَمَّى التَّوحِيدِ.

الوجْهُ الثَّاني: قولُهُمْ:"إنَّ اللهَ واحدٌ في ذاتِهِ لا قَسِمَ لَهُ .."إلخ فيهِ إِجْمالٌ:

فإنْ أرادُوا بهِ أنَّ اللهَ تعالى لا يَتجَزَّأُ، ولاَ يَتَفَرَّقُ، ولا يكونُ مركَّبًا منْ أجزاءٍ فهذَا حقٌّ، فإنَّ اللهَ تعالى أحدٌ، صمدٌ، لم يلدْ، ولم يُوْلَدْ، ولمْ يكنْ لهُ كُفُوًا أحَدٌ.

وإنْ أرادُوا بهِ معَ ذلكَ نفيَ ما وَصَفَ بهِ نفسَهُ كعلوِّهِ، واستوائِهِ على عرِشِهِ، ووجْهِهِ، ويديْهِ ونحوِ ذلكَ - وهذَا مرادُهُمْ - فهوَ باطلٌ، لأنَّ اللهَ تعالى قدْ أثبتَ لنفسِهِ منْ صِفاتِ الكمالِ منْ هذا وغيرِهِ مَا هوَ أهْلٌ لهُ.

وتوحيدُهُ فيهَا إثباتُهَا لهُ على الوجْهِ اللاَّئِقِ بهِ بدونِ تمثيلٍ، لا أن تُنْفى عنْهُ بنوعٍ منَ التَّحرِيفِ والتَّعْطيلِ.

الوجْهُ الثَّالِثُ: قولُهُمْ:"واحدٌ في صفاتِهِ لا شبيهَ لَهُ"فيه إجْمَالٌ:

فإنْ أرادُوا بهِ إثباتَ صفاتِ اللهِ تعالى على الوجْهِ اللاَّئقِ بهِ منْ غَيرِ أنْ يماثِلَهُ أحدٌ فيمَا يَخْتَصُّ بهِ فهذَا حقٌّ، وهوَ مذْهَبُ السَّلَفِ لكنَّ عامَّةَ المتكلِّمينَ لاَ يُريدونَ ذلكَ.

وإنْ أرادُوا بهِ نَفْيَ أنْ يكونَ شيءٌ منَ المخلوقاتِ مماثِلًا لهُ منْ كلِّ وجهٍ فهذَا لغْوٌ لاَ حاجَةَ إليْهِ فهوَ كقولِ القائِلِ: السماءُ فوقَنَا والأَرْضُ تحتَنا لأنَّ مماثَلةَ الخالِقِ للمخلوقِ منْ كُلِّ وجْهٍ معلومُ الانتفاءِ، بَل الامتناعِ بضرورةِ العقلِ، والسَّمْعِ، وإجْماعِ العُقَلاَءِ. ولهذَا لمْ يُثْبِتْ أحدٌ منَ الأممِ أحدًا مماثِلًا للهِ تعالى مِنْ كلِّ وَجْهٍ، وغايةُ منْ شَبَّهَ بهِ شيْئًا أنْ يُشَبِّهَهُ بهِ في بعضِ الأمورِ.

وإنْ أرادُوا بهِ نَفْيَ أنْ يكونَ بينَ صفاتِ الخالقِ والمخلوقِ قَدْرٌ مشتركٌ معَ تَمَيُّزِ كلٍّ منهُمَا بِمَا يَخْتَصُّ بهِ - وهذَا مرادُهُمْ - فهوَ باطلٌ، لأنَّهُ قدْ عُلِمَ بضرورةِ العقْلِ أنَّ كلَّ موجوديْنِ قائميْنِ بأنفُسِهِمَا لا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بينَهُمَا معَ تَمَيُّزِ كلِّ واحدٍ منْهُمَا بمَا يَخْتَصُّ بِهِ، كاتِّفاقِهِمَا في مسمَّى الوجودِ، والذَّاتِ والقِيامِ بالنَّفْسِ ونحوِ ذلكَ، ونفيُ هذَا القدرِ تعطيلٌ مَحْضٌ.

والقولُ بهذَا المرادِ لا يَمنعُ نَفْيَ ما يَجِبُ للهِ تعالى منِ صِفاتِ الكمالِ عندَ منْ يَرى أنَّ إثباتَ ذلكَ يَستلزِمُ التَّشْبيهَ، فقدْ سَبَقَ أنَّ أهلَ التَّعْطِيلِ منَ الجَهْمِيَّةِ والمعتزِلةِ وغيرِهِمْ أَدْخَلُوا نفيَ الصِّفاتِ في مُسَمَّى التَّوحِيدِ وقالُوا منْ أَثْبَتَ للهِ عِلْمًا، أوْ قُدْرةً ونحوَ ذلكَ فَهُوَ مشبِّهٌ غيرُ موحِّدٍ، وزادَ عليْهِمْ غُلاةُ الفلاسِفةِ، والقرامطَةِ فأَدْخلُوا فيهِ نَفْيَ الأسماءِ وقالُوا: منْ قالَ إنَّ اللهَ عليمٌ قديرٌ ونحوَ ذلِكَ فهوَ مشبِّهٌ غيرُ موحِّدٍ، وزادَ عليهِمْ غلاةُ الغُلاَةِ فقالُوا: إنَّ اللهَ لا يُوْصَفُ بما يَتضمَّنُ إثباتًا أوْ نفْيًا، فمنْ نَفَى عنْهُ صفةً، أوْ أَثْبَتَ لهُ صِفَةً فهوُ مشبِّهٌ غيرُ موحِّدٍ.

وقدْ سَبَقَ الردُّ على هؤلاءِ الطَّوائِفِ في أوَّلِ الرِّسالةِ وللهِ الحمْدُ.

(1) سورة الأنبياء، الآية: 36.

(2) سورة ص، الآيات: 4 - 6.

(3) سورة الممتحنة، الآية: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت