الصفحة 71 من 80

الوجْهُ الرَّابِعِ: قولُهُمْ:"واحدٌ في أفْعَالِهِ لاَ شرِيكَ لَهُ"وهذَا أشهرُ أنواعِ التَّوحِيدِ عندَهُمْ، ويَعنونَ بهِ أنَّ خالقَ العالَمِ واحدٌ، ويَظنُّونَ أنَّ هذَا هوُ التَّوحِيدُ المَطْلوبُ وأنَّ هذَا معْنى"لا إلهَ إلا اللهُ"فيَجعلونَ معنَاهَا: لاَ قادِرَ على الاختراعِ إلا اللهُ.

ومعلومٌ أنَّ هذَا خطأٌ منْ وَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هذَا الَّذي قَرَّرُوهُ قدْ أقرَّ بهِ المشركونَ الّذينَ قاتَلَهُمُ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّهُمْ لمْ يَجْعَلُوا للهِ شَريكًا في أفعالِهِ كما قالَ تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [1] . (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [2] ومعَ هذَا لمْ يكونُوا موحِّدِينَ بلْ همْ مشرِكونَ بدَلالةِ الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإِجماعِ المعلومِ بالضَّرُورَةِ منْ دينِ الإِسلامِ، لكونِهِمْ أَنكرُوا توحيدَ الألوهيَّةِ وقالُوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [3] . ولهذَا قاتَلَهُمُ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُسْتَبيحًا دماءَهُمْ وأموالَهُمْ، وسَبَى ذَراريهِمْ ونساءَهِم.

الثَّاني: أنَّ تفسيرَهُمْ"لا إلهَ إلا اللهُ"بهذَا التَّفسيرِ الذي ذَكَرُوهُ أيْ أنَّهُ لا قادِرَ على الاختراعِ إلا اللهُ، يَقتضِي أنَّ منْ أَقَرَّ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هوَ القادرُ على الاختراعِ دونَ غيرِهِ فقدْ شهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وعَصَمَ دمَهُ ومالَهُ.

ومعلومٌ أنَّ تفسيرَهَا بهذَا المعنى باطلٌ مخالِفٌ لما عَرَفَهُ المسلمونَ منْها فإنَّ تَفْسِيرَهَا الصَّحيحَ: أنْ لاَ معْبُودَ حقٍّ إلا اللهُ هذَا هُوَ الّذِي يَعْرِفُهُ المسلمونَ منْ معناهَا، بلْ والمشركونَ ألاَ ترى إلى قولِ اللهِ تعالى فيهِم: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) [4] . وكانُوا لاَ يَستكبرونَ عنِ الإِقرارِ بقلوبِهمْ وأَلْسنتِهِمْ بأنَّ اللهَ هوَ الخالقُ وَحدَهُ ولاَ يَدَّعونَ أنَّ آلهتَهُمْ تَخْلُقُ شيْئًا فَتبيَّنَ بذلكَ أنَّ المشرِكين أَعْلَمُ وأَفْقَهُ بمعنى لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ من هؤلاءِ المتكلِّمين وأن غايةَ ما يُقرِّرُهُ هؤلاءِ المتكلِّمُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ توحيدُ الرُّبوبيَّةِ الذِي لا يُخَلِّصُ الإِنسانَ منَ الشِّرْكِ، ولا يَعْصِمُ بهِ دمَهُ ومالَهُ، ولا يَسْلَمُ بهِ مِنَ الخُلودِ في النارِ.

وَقَدْ سَلَكَ هذَا المسلكَ طوائفُ منْ أهلِ التَّصَوُّفِ المُنتَسِبينَ إلى المعرفةِ والتَّحقيقِ والتَّوحيدِ، فكانَ غايةُ ما عندَهُمْ مِنَ التَّوحيدِ أنْ يَشْهَدَ المرءُ أنَّ اللهَ ربُّ كلِّ شيءٍ، ومليكُهُ، وخالِقُهُ لا سِيَّما إِذَا غَابَ العارِفُ بموجودِهِ عنْ وجودِهِ، وبمشهودِهِ عنْ شُهُودِهِ، وبمعروفِهِ عنْ مَعْرِفَتِهِ، ودَخَلَ في فَناءِ توحيدِ الرُّبوبيَّةِ بحيثُ يَفْنَى منْ لمْ يكنْ ويَبْقَى منْ لمْ يَزَلْ.

ومعلومٌ أنَّ هذِهِ الغايةَ هيَ مَا أَقَرَّ بهِ المشرِكونَ منَ التَّوحيدِ وهيَ غايةٌ لا يكونُ بهَا الرَّجُلُ مسْلِمًا، فضْلًا عنْ أنْ يكونَ مِنْ أولياءِ اللهِ تعالى وسَادةِ خَلْقِهِ.

(1) سورة العنكبوت، الآية: 61.

(2) سورة الزخرف، الآية: 87.

(3) سورة ص، الآية: 5.

(4) سورة الصافات، الآيتان: 35، 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت