فهرس الكتاب
فَصْلٌ
في الفَنَاءَ وأَقْسَامِهِ
الفناءُ لغةً: الزَّوالُ. قالَ اللهُ تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ) [1] .
وفي الاصْطِلاحِ ثلاثةُ أقْسَامٍ:
الأَوَّلُ: دينيٌّ شرعيٌّ وهوَ الفَنَاءُ عنْ إرادةِ السِّوَى. أيْ: عنْ إرادةِ مَا سِوَى اللهِ عزَّ وَجَلَّ بحيثُ يَفْنَى بالإِخْلاصِ للهِ عنِ الشِّرْكِ، وبشريعَتِهِ عنِ البِدْعَةِ، وبطاعتِهِ عنْ معصَيتِهِ، وبالتَّوَكُّلِ عليْهِ عنْ التَّعلُّقِ بغيرِهِ، وبمرادِ ربِّهِ عنْ مرادِ نَفْسِهِ إلى غيرِ ذلكَ ممَّا يَشْتَغِلُ بهِ مِنْ مَرضاةِ اللهِ عما سِوَاهُ.
وحقيقتُه: انشغالُ العبْدِ بمَا يُقرِّبُهُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ عمَّا لا يُقرِّبُهُ إليْهِ وإنْ سُمِّيَ فناءً في اصْطِلاحِهِمْ.
وهذَا فناءٌ شرْعيٌّ بهِ جَاءَت الرُّسُلُ، ونَزَلَت الكُتُبُ، وبهِ قيامُ الدِّينِ والدنْيا، وصلاحُ الآخرةِ والدُّنْيَا قالَ اللهُ تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) [2] . وقالَ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [3] . وقالَ: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [4] . وقالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [5] .
وهذَا هوَ الذَّوْقُ الإيمانيُّ الحقيقيُّ الّذِي لا يُعَادِلُهُ ذوقٌ ففِي الصَّحِيحَيْنِ عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنْهُ أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ:"ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وَجَدَ بهنَّ حَلاَوَةَ الإِيمانِ أَنْ يكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إليْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المرءَ لاَ يُحبُّهُ إلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ". وفي صحيحِ مسلمٍ عَنْ العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ رضيَ اللهُ عنْهُ أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ:"ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ مَنْ رَضِيَ باللهِ رَبًَّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَسُولًا".
القِسْمُ الثَّانِي: صُوفيٌّ بِدْعِيٌّ وَهُوَ: الفناءُ عَنْ شُهودِ السِّوَى أيْ عَنْ شُهودِ مَا سِوى اللهِ تعالى، وذلكَ أَنَّهُ بِمَا وَرَدَ على قلبهِ منَ التَّعَلُّقِ باللهِ عَزَّ وجلَّ وضعْفِهِ عنْ تحمُّلِ هذَا الواردِ ومقاوَمَتِهِ غَابَ عنْ قلبِهِ كلُّ مَا سوى اللهِ عزَّ وَجَلَّ ففَنِيَ بِهذِهِ الغَيْبُوبَةِ عنْ
(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.
(2) سورة الإسراء، الآية: 19.
(3) سورة النحل، الآية: 97.
(4) سورة الرعد، الآية: 22.
(5) سورة المنافقون، الآية: 9.