فهرس الكتاب
الإِيمانِ ولاَ رافعةً للأخَّوةِ الإِيمانيَّةِ. ولاَ ريْبَ أنَّ الأخوَّةَ الإِيمانيَّةَ مقتَضِيةٌ للمحبَّةِ والولايَةِ ويَقْوَى مقْتَضَاهَا بحسْبِ قوَّةِ الإِيمانِ والاسْتِقامَةِ.
وهذَا الأصْلُ - أعني أنَّهُ قدْ يَجْتَمِعُ في الإِنسانِ خِصلةُ إيمانٍ، وخِصْلةُ كُفْرٍ - هُوَ ما دلَّ عليْهِ الكتابُ، والسُّنَّةُ، وكانَ عليْهِ السَّلَفُ والأَئمَّةُ، فتكونُ المحبَّةُ والولايَةُ تابعةً لما مَعَهُ منْ خِصالِ الإيمانِ، والكراهةُ والعداوةُ تابعةً لِمَا عندَهُ منْ خِصالِ الكُفْرِ.
فَصْلٌ
المؤمنُ مأمورٌ بفعلِ المأمورِ، وتَرْكِ المحظورِ، والصَّبْرِ على المقدورِ قالَ اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [1] . وقالَ: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [2] . وقالَ عنْ لقمانَ: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [3] . وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [4] .
ومأمورٌ في جانبِ الطَّاعةِ بالإخْلاَصِ والاسْتِغْفَارِ قالَ اللهُ تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [5] . وقال: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) [6] . وقالَ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) [7] .
وقالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوبُ إليْهِ في اليَومِ مائَةَ مَرَةٍ". وَقَالَ:"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ". أخرجهُمَا مُسْلِمٌ.
ورَوَى البخاريُّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقولُ:"وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِليْهِ في اليَوْمِ أَكثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً".
والجامِعُ لهذَا: أنَّهُ لا بُدَّ في الأَمْرِ منْ أصْلَيْنِ، ولا بُدَّ في القَدَرِ مِنْ أَصْلَيْنِ أيْضًا.
أَما الأَصْلاَنِ في الأمْرِ فهُمَا:
أَصْلٌ قَبْلَ العَمَلِ أوْ مقارنٌ لهُ وهُوَ: الاجتهادُ في الامتِثَالِ عِلْمًا، وعمَلًا فيَجتهدُ في العِلْمِ باللهِ تعالى، وأسمائِهِ وصفاتِهِ، وأحكامِهِ، ثمَّ يَعمَلُ بما يَقتضيهِ ذلكَ العِلْمُ منْ تصديقِ الأخبارِ، والعَمَلِ بالأحكامِ، فعْلًا للمأمورِ، وتَرْكًا للمحظورِ.
(1) سورة آل عمران، الآية: 200.
(2) سورة يوسف، الآية: 90.
(3) سورة لقمان، الآية: 17.
(4) سورة البقرة، الآية: 155.
(5) سورة محمد، الآية: 19.
(6) سورة هود، الآيتان: 2، 3.
(7) سورة فصلت، الآية: 6.