الصفحة 77 من 80

والثَّاني: أصْلٌ بعدَ العملِ وهوَ الاسْتِغْفَارُ والتَّوْبَةُ منَ التَّفْريطِ في المأمورِ، أو التَّعَدِّي في المحظورِ لهذَا كانَ منَ المشروعِ خَتْمُ الأعمالِ بالاستغْفارِ كما قالَ اللهُ تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [1] . فقامُوا الَّيْلَ وخَتَمُوهُ بالاستغْفارِ، وكَانَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذَا انصرفَ منْ صلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثلاثًا. وآخِرُ سورةٍ نَزَلَتْ عليْهِ سورةُ النَّصْرِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [2] . فكانَ بعدَ نزولِهَا يُكْثِرُ أنْ يقولَ في ركوعِهِ وسجودِهِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللّهُمَّ اغْفِرْ لِي. وكانَ نزولُها إيذانًا بقربِ أجلِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا في مجلسِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنْهُ بمحْضَرٍ منَ الصَّحابَةِ فأَقَرَّهُ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ: ما أَعْلَمُ مِنْهَا إلاّ مَا تَقُولُ.

وَفي صحيحِ مسلِمٍ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنْهَا قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إليْكَ. فَجَعَلَ الاسْتِغْفَارَ والتَّوْبَةَ خاتمةَ العُمُرِ كمَا جُعِلَتَا خَاتِمَةَ العَمَلِ.

وأمَّا الأَصْلاَنِ في القَدَرِ فهُمَا:

أَصْلٌ قَبْلَ المقْدُورِ وَهُوَ: الاسْتِعَانةُ باللهِ عزَّ وجلَّ، والاستعاذةُ بهِ، ودعاؤُه رغبةً ورهبةً فيكونُ معتمِدًا على ربِّهِ، ملتَجِئًا إليهِ في حصولِ المطلوبِ ودفْعِ المكروهِ.

والثَّاني بَعْدَ المقدورِ وهوَ: الصبرُ على المقدورِ حيثُ يَفوتُ مطلوبُهُ، أو يقعُ مكروهُهُ فيُوَطِّنُ نَفْسَهُ عليْهِ بحيثُ يَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لمْ يكنْ ليخْطِئَهُ ومَا أخطأَهُ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَهُ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ في الآيةِ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ فَيَعْلَمَ أنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضى وَيُسَلِّمُ.

فَإذَا راعى الأمرَ والقَدَرَ على الوجهِ الذِي ذَكَرْنَا كانَ عابِدًا للهِ تعالى مستعينًا بهِ متوكِّلًا عليْهِ منَ الذينَ أَنْعَمَ اللهُ عليهِمْ. وَقَدْ جَمَعَ اللهُ بَيْنَ هذَيْنِ الأصْلَيْنِ في أكثرَ مِنْ مَوْضِعٍ كقولِهِ تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [3] وقوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [4] . وقولِهِ: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [5] .

(1) سورة آل عمران، الآية: 17.

(2) سورة النصر، الآيات: 1 - 3.

(3) سورة الفاتحة، الآية: 5.

(4) سورة هود، الآية: 123.

(5) سورة هود، الآية: 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت