الصفحة 78 من 80

فَصْلٌ

والنَّاسُ في هذَا المقامِ - مقامِ الشَّرْعِ والقَدَرِ - أربعةُ أقسَامٍ:

الأوَّلُ: منْ حَقَّقُوا هذِهِ الأصُولَ الأربعةِ: أَصْلَي الشَّرْعِ، وأَصْلَي القدَرِ وهمُ المؤمنونَ المتَّقُونَ الذِي كانَ عندَهمْ منْ عِبادةِ اللهِ تعالى والإستعانةِ بهِ ما تَصْلُحُ بهِ أحْوَالُهُمْ، فكانُوا للهِ، وباللهِ، وفي اللهِ، وهؤلاءِ أَهْلُ القِسْطِ والعدْلِ الّذِينَ شَهِدُوا مقامَ الرُّبُوبيَّةِ والألوهيَّةِ، وهمْ أعلى الأقسامِ فإنَّ هذَا مقامُ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عليهمْ منَ النبيِّنَ والصِّدِّيقينَ، والشهداءِ، والصالحين.

الثَّاني: منْ فاتَهُمُ التَّحْقِيقُ في أَصْلَي القَدَرِ فكانَ عندَهمْ منْ عِبادةِ اللهِ تعالى والاستقامةِ في شرْعِهِ ما عندَهمْ، لكنْ ليسَ عندَهمْ قوَّةٌ في الاستعانةِ باللهِ والصَّبْرِ على أحكامِهِ الكونيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، فيُصيبُهُمْ عندَ العَمَلِ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ ما يَمنعُهُمْ منَ العَمَلِ أو إكمالِهِ، ويَلحقُهُمُ بعدَ العَمَلِ مِنَ العُجْبِ والفَخْرِ ما قدْ يكونُ سببًا لِحُبُوطِ عملِهِمْ وخُذلانِهِمْ، وهؤلاءِ أضْعَفُ ممَّنْ سَبَقهمْ وأدْنى مقامًا وأقلُّ عدْلًا، لأنَّ شهودَهُمْ مقامَ الإِلهيَّةِ غالبٌ على شهودِ مقامِ الرُّبُوبيَّةِ.

الثَّالِثُ: مَنْ فاتَهُمُ التَّحْقِيقُ في أصْلَي الشَّرْعِ فكانُوا ضُعَفَاءَ في الاستقامَةِ على أَمْرِ الله تعالى ومتابَعةِ شَرْعِهِ، لكنْ عندَهمْ قوةٌ في الاستعانةِ باللهِ والتوكُّلِ عليْهِ، ولكنْ قدْ يكونُ ذلكَ في أمورٍ لا يُحبُّها اللهُ تعالى ولاَ يَرضَاهَا فيُعانُ ويُمَكَّنُ لهُ بِقَدْرِ حَالِهِ، ويَحصُلُ لهُ منَ المكاشَفَاتِ والتأثِيرَاتِ ما لا يَحْصُلُ للقِسْمِ الّذي قَبْلَهُ، لكنْ ما يَحصُلُ لهُ منْ هذهِ الأمورِ يكونُ منْ نصيبِ العاجِلَةِ الدُّنْيَا أمَّا عاقبتُهُ فعاقِبةٌ سيِّئةٌ، لأَنَّهُ ليسَ مْنَ المتَّقِينَ وإنَّمَا العاقبةُ للمتَّقِينَ قالَ اللهُ تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [1] . فاللهُ تعالى يَعلَمُ أنَّ هؤلاءِ سيُشرِكونَ بعدَ أنْ يُنجِّيَهِمْ لكنْ لما كانُوا في البحْرِ كانُوا مخْلِصِينَ في دعائِهمُ اللهَ تعالى أنْ يُنَجِّيهُمْ صادقينَ في تفويضِ الأمرِ إليهِ حَصَلَ مُرَادُهُمْ، ولَمَّا لمْ يكُنْ لهمْ عِبادةٌ لمْ يَستقِمْ أمْرُهُمْ وكانَ عاقبةُ أمرهِمْ خُسْرًا.

فالفَرْقُ بينَ هؤلاءِ وبيْنَ القِسْمِ الذينَ قَبْلَهُمْ أنَّ الذينَ قبلهُمْ كانَ لهمْ دِينٌ ضعيفٌ لِضَعْفِ استعانَتِهِمْ باللهِ وتوكُّلِهِمْ عَلَيْهِ، لكنَّهُ مستمِرٌّ باقٍ إنْ لم يُفسِدْهُ صاحِبُهُ بالعَجْزِ والجَزَعِ. وهؤلاءِ لهمْ حالٌ وقوةٌ لكنْ لا يَبْقى لهمْ إلا ما وافَقُوا فيهِ الأمْرَ واتَّبَعُوا فيهِ السُّنَّةَ.

القِسْمُ الرَّابِعُ: مَنْ فاتَهُمْ تحقيقُ أَصْلَي الشَّرعِ، وأَصْلَي القَدَرِ فليسَ عندَهُمْ عِبادةٌ للهِ تعالى، ولاَ استعانةٌ بهِ، ولاَ لجوءٌ إليهِ عندَ الشِّدَّةِ فهمْ مستكبرونَ عنْ عِبادةِ اللهِ مُستغنونَ بأنفسِهِمْ عنْ خالقِهِمْ، ورُبَّمَا لَجَئُوا في الشَّدائِدِ وإدْرَاكِ مطالِبِهِمْ إلى الشَّياطِينَ

(1) سورة العنكبوت، الآيتان: 65، 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت