الصفحة 79 من 80

فأطاعُوهَا فِيمَا تُريدُ وأعانَتْهُمْ فيمَا يُريدونَ فيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ هذَا مِنْ بابِ الكراماتِ، وهوَ منْ بابِ الإِهاناتِ لأنَّ عاقِبتَهُمُ الذُّلُّ والهوانُ وهذَا القِسْمُ شرُّ الأقسامِ.

فَصْلٌ

في المُفَاضَلَةِ وَالمُقاَرَنَةِ بَيْنَ أَرْبَابِ البِدَعِ

نُظَّارُ المتكلِّمِينَ الذينَ يَدَّعونَ التَّحقيقَ ويَنتسبونَ ِإلى السُّنَّةِ يَرَوْنَ التّوحيدَ عبارةً عنْ تحقيقِ توحيدِ الرُّبُوبيَّةِ.

وطوائفُ منْ أهلِ التَّصَوُّفِ الذينَ يَنتسِبونَ إلى التَّحقيقِ والمعرفةِ غايةُ التَّوحيدِ عندَهُمْ شهودُ توحيدِ الرُّبُوبيَّةِ. ومعلومٌ أنَّ هذَا هوَ مَا أقرَّ بهِ المشركونَ، وأنَّ الرَّجلَ لاَ يكونُ بِهِ مسْلِمًا، فَضْلًا عنْ أنْ يكونَ وَليًّا منْ أولياءِ اللهِ، أوْ مِنْ ساداتِ أولياءِ اللهِ تعالى.

وطائفةٌ أخرى تُقَرِّرُ هذَا التَّوْحِيدَ معَ نفيِ الصِّفاتِ، فيَقعُونَ في التَّقْصِيرِ والتَّعْطِيلِ وهذَا شرٌّ منْ حالِ كثيرٍ منَ المشركينَ.

والجَهْمُ بنُ صفْوانَ إمَامُ الجَهْمِيَّةِ نُفاةِ الصِّفاتِ يَغْلُوا في القَضَاءِ والقَدَرِ ويقولُ بالجَبْرِ، فيوافِقُ المشركينَ في قولِهِمْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أشْرَكْنَا وَلاَ آباؤُنَا ولاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ، لكنَّهُ يثبتُ الأمرَ والنَّهيَ فيُفارِقُ المشركينَ إلاّ أنَّهُ يقولُ بالإِرجاءِ فيَضْعُفُ الأمْرُ والنَّهْيُ والعقابُ عندَهُ، لأنَّ فاعلَ الكبيرةِ عندَهُ مؤمنٌ كاملُ الإيمانِ غيرُ مُسْتَحِقٍّ للعقابِ.

والنَّجَّارِيَّةُ - أَتباعُ الحسينِ بنِ محمَّدٍ النَّجَّارِ - والضِّرَارِيَةُ - أتْباعُ ضرارِ بنِ عمرٍو وحَفْصٍ الفَرْدِ - يَقْرُبُونَ مِنْ جَهْمٍ في مسائلِ القَدَرِ والإيمانِ معَ مقاربتِهِمْ لَهُ أيْضًا في نفيِ الصِّفاتِ.

والكِلَّابيَّةُ - أَتباعُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ بنِ كِلَّابٍ - والأشْعَريَّةُ المُنْتَسِبُونَ لأبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ خَيْرٌ منْ هؤلاءِ في بابِ الصِّفاتِ فإنَّهُمْ يُثْبِتُونَ للهِ الصِّفاتِ العَقْلِيَّةِ، وأئمَّتُهُمْ يُثبِتونَ الصِّفاتِ الخَبَريَّةِ في الجُمْلَةِ، وأَمَّا في القَدَرِ ومسائِلِ الأسماءِ والأحكامِ فأقوَالُهُمْ متقارِبةٌ.

وأَصْحَابُ ابنِ كلَّابٍ كالحارثِ المحاسِبِيِّ خَيْرٌ مِنَ الأشْعَرِيَّةِ في هذَا وهَذَا.

والكِرَامِيَّةُ أَتباعُ محمَدِ بنِ كِرَامٍ قَوْلُهُمْ في الصِّفَاتِ، والقَدَرِ، والوَعْدِ، والوَعيدِ أَشْبَهُ مِنْ أكثَرِ طوائفِ أهلِ الكَلاَمِ التِي في أقْوَالِهَا مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت