فهرس الكتاب
وأما في الإِيمانِ فقولُهُمْ مُنْكَرٌ لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِليْهِ أحدٌ، فإنَّهُمْ جَعَلُوا الإِيمانَ قولَ اللِّسَانِ فقطْ وإنْ لمْ يكنْ مَعَهُ تصديقُ القَلْبِ، فالمُنَافِقُ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنٌ وَلكِنَّهُ مُخَلَّدٌ في النَّارِ.
والمعتزِلةُ - أَتباعُ واصلِ بنِ عطاءٍ الذِي اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ - يُقارِبُونَ قوْلَ جَهْمٍ في الصِّفاتِ فيقولونَ بنَفْيِهَا، وأما في القَدَرِ والأسماءِ والأحكامِ، فيُخالفونَهُ ففي القَدَرِ يقولونَ: إنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بعمَلِهِ كاملُ الإِرادةِ فيهِ، ليْسَ للهِ في عملِهِ تقديرٌ، ولاَ خَلْقٌ. فَفِيهِمْ نوعٌ مِنَ الشِّرْكِ مِنْ هذَا البابِ.
وجَهْمٌ يقولُ: إنَّ العَبْدَ مُجْبَرٌ على عَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إرادةٌ فيهِ.
وَفي الأسماءِ والأحْكامِ يقولُ المُعتزِلةُ: إنَّ فاعلَ الكبيرةِ خارجٌ عنِ الإيمانِ غَيرُ داخلٍ في الكُفْرِ فَهُوَ في مَنْزِلَةٍ بينَ مَنْزِلَتَيْنِ، ولكنَّهُ مُخَلَّدٌ في النَّارِ.
ويقولُ جَهْمٌ إنَّهُ مؤمنٌ كاملُ الإِيمانِ غيرُ مستَحِقٍّ لدُخُولِ النَّارِ.
والمعتزِلةُ خيرٌ منَ الجَهميَّةِ فيمَا خالفُوهُمْ فيهِ مِنَ القدَرِ والأسماءِ والأحكامِ فإنَّ إثباتَ الأمْرِ والنَّهيِ، والوَعْدِ والوعيدِ، مع نَفْيِ القدَرِ خيرٌ من إثباتِ القدَرِ مع نَفْيِ الأمْرِ والنهْىِ والوعدِ والوعيدِ ولهذَا لمْ يُوجَدْ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ والتَّابعينَ مَنْ يَنْفِي الأمْرَ والنَّهيَ، والوَعْدَ والوَعيدَ، وَوُجِدَ في زَمَنِهِمُ القَدَرِيَّةُ، والخَوَارِجُ الحَرُورِيَّةُ.
وَإِنَّمَا يَظْهَرُ منَ البِدَعِ أوَّلًا ما كان أَخَفَّ، وكلَّمَا ضَعُفَ منْ يقومُ بنورِ النُّبُوَّةِ قَوِيَتِ البِدْعَةُ، وكلَّما كانَ الرَّجُلُ إلى السَّلَفِ والأئمَّةِ أقْرَبَ كانَ قولُهُ أعلى وأفْضَلَ.
والمتصوِّفَةُ الّذينَ يَشهدونَ الحقيقةَ الكَوْنِيَّةَ معَ إعراضِهِمْ عن الأَمْرِ والنَّهْيِ شَرٌّ منَ القَدَريَّةِ المعْتَزِلَةِ ونحوِهِمْ، لأنَّ هؤلاءِ المُتَصَوِّفَةَ يُشْبِهُونَ المشرِكينَ الذِينَ قالُوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) [1] . والقَدَرِيَّةُ يُشبِهُونَ المجوسَ الّذينَ قالُوا: إنَّ للعالَمِ خَالِقَيْنِ والمشرِكونَ شَرٌّ منَ المجوسِ.
أمّا الصوفيَّةُ الذينَ عندَهمْ شيْءٌ مِنْ تعظيمِ الأمْرِ والنَّهْيِ معَ مشاهدةِ توحيدِ الرُّبُوبيَّةِ وإقرارِهِمْ بالقَدَرِ فهمْ خيرٌ منَ المُعْتَزِلَةِ، لكنَّهُمْ معتزلةٌ منْ وجهٍ آخَرَ حيثُ جَعَلُوا غايةَ التَّوحيدِ مشاهدةَ توحيدِ الرُّبُوبيَّةِ، والفَنَاءَ فيهِ فاعتزَلُوا بذلكَ جماعةَ المسلمينَ وسنَّتَهُمْ. وقدْ يكونُ مَا وَقَعُوا فيهِ منَ البِدْعَةِ شرًّا منْ بدعةِ أولئِكَ المعتزِلةِ.
وكلُّ هذِهِ الطوائفِ عندَهَا منَ الضَّلالِ والبِدَعِ بقدْرِ ما فارَقَتْ بهِ جماعةَ المسلمينَ وسنَّتَهُمْ. ودينُ اللهِ تعالى ما بَعَثَ بهِ رُسَلَهُ وأَنْزَلَ بهِ كُتُبَهُ، وَهُوَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ طريقُ رسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصْحابِهِ خَيْرِ الأُمَّةِ الَّتِي هيَ خيرُ الأُمَمِ.
(1) سورة الأنعام، الآية: 148.