فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 399

أحدُهُمَا: أنَّهُ جائزٌ، اختارَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ وغيرُهُ.

والثَّاني: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عبدُ العَزِيزِ وشيخُ الْإِسْلَامِ. قالَ: والمَعْرُوفُ عن أَحْمَدَ كَرَاهَةُ لَعْنِ المُعَيَّنِ كالحَجَّاجِ وأَمْثَالِهِ، وأَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .

(4) هَذَا الحَدِيثُ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مَعْزُوًّا لِأَحْمَدَ، وأَظُنُّهُ تَبِعَ ابنَ القيِّمِ في عزوِهِ لِأَحْمَدَ.

قالَ ابنُ القيِّمِ: قالَ الإمامُ أحمدُ: حَدَّثَنا أبو مُعَاوِيَةَ، حدَّثَنا الْأَعْمَشُ، عن سُلَيْمَانَ بنِ مَيْسَرَةَ، عن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ يَرْفَعُهُ، قَالَ: (( دَخَلَ رَجُلٌ الجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ ... ) )الحَدِيثَ. وَقَدْ طَالَعْتُ (( المُسْنَدَ ) )فَمَا رَأَيْتُهُ فيهِ، فَلَعَلَّ الْإِمَامَ رَوَاهُ في كِتَابِ الزُّهْدِ أو غيرِهِ.

قولُهُ: (عَنْ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ) أي: البَجَلِيُّ الأحمسيُّ أَبُو عبدِ اللَّهِ، رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو رَجُلٌ، ويُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ منه شَيْئًا.

قَالَ البَغَوِيُّ: ونَزَلَ الكُوفَةَ. قالَ أبو حَاتِمٍ: لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. والحَدِيثُ الَّذي رواهُ مُرْسَلٌ. وَقَالَ أَبُو دَاودَ: رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْمَعْ منه شَيْئًا. قَالَ الحَافِظُ: إِذَا ثَبَتَ أنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو صَحَابِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُ عن مُرْسَلِ صحابيٍّ، وهو مَقْبولٌ عَلَى الرَّاجحِ. وقد أَخْرَجَ له النَّسَائِيُّ عِدَّةَ أَحَاديثَ، وذَلِكَ مَصِيرٌ منه إلى إِثْبَاتِ صُحْبَتِهِ. وكانَتْ وفاتُهُ عَلَى ما جَزَمَ بهِ ابنُ حِبَّانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وثَمَانِينَ.

قولُهُ: (دَخَلَ رَجُلٌ الجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ) ، أي: مِن أَجْلِ ذبابٍ.

قولُهُ: (قالُوا: وكيفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) سَأَلُوا عن هذا الأمرِ العَجِيبِ؛ لِأَنَّهُم قَدْ عَلِمُوا أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كمَا قالَ تَعَالَى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] وأَنَّ النَّارَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بالْأَعْمَالِ السَّيِّئةِ. فَكَأنَّهُم قالُوا ذلك وتَعَجَّبُوه واحْتَقَرُوهُ، فَبَيَّنَ لَهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما صَيَّرَ هذا الأمرَ الحَقِيرَ عندَهُم عظيمًا يَسْتَحِقُّ هذا عليه الجنَّةَ، ويَسْتَحِقُّ الآخَرُ عليهِ النَّارَ، ولَعَلَّ هذين الرَّجُلَيْنِ من بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُهُم عَن بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرًا.

قولُهُ: (فَقَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لهمْ صَنَمٌ) الصَّنَمُ: مَا كَانَ مَنْحُوتًا عَلَى صُورةٍ.

قولُهُ: (لا يُجَاوِزُهُ) أي: لَا يَمُرُّ بهِ ولا يَتَعَدَّاهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ له شَيْئًا وَإِنْ قلَّ.

قولُهُ: قالُوا: (قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَدَخَلَ النَّارَ) في هذا بيانُ عظمةِ الشِّرِكِ ولو في شيءٍ قليلٍ، وأنَّهُ يُوجِبُ النَّارَ، أَلَا تَرَى إلى هذا لَمَّا قَرَّبَ لهذا الصَّنمِ أَرْذَلَ الحَيَوانِ وأَخَسَّهُ وهو الذُّبابُ كانَ جَزَاؤُهُ النَّارَ؛ لِإِشْرَاكِهِ في عِبَادَةِ اللَّهِ، إذ الذَّبْحُ عَلَى سَبِيلِ القُرْبَةِ والتَّعْظِيمِ عِبَادَةٌ، وهذا مُطَابِقٌ لقولِهِ -تعالى-: {إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المَائِدَة: 72] وفيه الحَذَرُ مِن الذُّنُوبِ وإِنْ كَانَتْ صَغِيرةً في الحُسْبَانِ، كمَا قالَ أَنَسٌ: إِنَّكُم لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُم مِنَ الشَّعْرِ كُنَّا نَعُدُّها عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُوبِقَاتِ. رواهُ البخاريُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت