فهرس الكتاب
في عِبَادَةِ اللَّهِ تعالَى غيرَهُ ضرورةً، كمَا أنَّ مَنْ صلَّى للَّهِ وصلَّى لغيرِهِ فقدْ أَشْرَكَ، كذلِكَ هذا لقولِهِ تعالَى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الدَّهْر: 7]
وجهُ الدَّلالَةِ من الآيَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالَى مَدَحَ المُوفِينَ بالنَّذْرِ، واللَّهُ تعالَى لا يَمْدَحُ إلَّا عَلَى فِعْلِ واجِبٍ أوْ مُسْتَحَبٍّ، أوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، لا يَمْدَحُ عَلَى فِعْلِ المُبَاحِ الُمَجَرَّدِ، وذلكَ هوَ العِبَادَةُ، فمَنْ فَعَلَ ذلكَ لِغَيْرِ اللَّهِ مُتَقَرِّبًا إليهِ فقدْ أشْرَكَ.
(2) وجهُ الدَّلالةِ مِن الآيَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ: أنَّ اللَّهَ تعالَى أَخْبَرَ بأنَّ ما أنْفَقْنَاهُ مِنْ نَفَقَةٍ، أوْ نَذَرْنَاهُ مِنْ نَذْرٍ، مُتَقَرِّبِينَ بذلكَ إليهِ، أنَّهُ يَعْلمُهُ ويُجَازِينا عليهِ؛ فَدَلَّ ذلكَ أنَّهُ عِبَادَةٌ. وبالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ مُسْلِمٍ أنَّ مَنْ صَرَفَ شَيئًا مِنْ أنواعِ العِبَادَةِ لغيرِ اللَّهِ فقدْ أشْرَكَ.
قالَ ابنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تعالَى بأنَّهُ عالِمٌ بجميعِ ما يَعْمَلُهُ العامِلُونَ مِن الخَيْرَاتِ مِن النَّفَقَاتِ والمَنْذُوراتِ، وتَضَمَّنَ ذلكَ مُجَازَاتَهُ عَلَى ذلكَ أَوْفَرَ الجزاءِ، للعامِلِينَ لذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، ورَجَاءَ مَوْعُودِهِ، إذا عَلِمْتَ ذلكَ فهذه النُّذُورُ الواقِعَةُ مِنْ عُبَّادِ القُبُورِ وأَشْبَاهِهِم لِمَنْ يَعْتَقِدُونَ فيهِ نَفْعًا أوْ ضُرًّا، فيَتَقَرَّبُ إليهِ بالنَّذْرِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أوْ لِيَشْفَعَ لَهُ، كلُّ ذلكَ شِرْكٌ في العِبَادَةِ، وهو شَبِيهٌ بما ذَكَرَ اللَّهُ عن المُشْرِكِينَ في قولِهِ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنْعَام: 136] ، رَوَى ابنُ أبي حَاتِمٍ في الآيَةِ: يعنِي: جَعَلُوا لِلَّهِ جُزْءًا مِن الحَرْثِ، ولِشُرَكائِهِم ولأَوْثَانِهِم جُزءًا، فمَا ذَهَبَتْ بهِ الرِّيحُ مِمَّا سَمَّوْا للَّهِ إلى جُزءِ أوْثانِهِم تَرَكُوهُ وقالُوا: اللَّهُ عنْ هذا غَنِيٌّ، وما ذَهَبَتْ بهِ الرِّيحُ مِنْ جُزءِ أَوْثانِهِم إلى جُزءِ اللَّهِ أَخَذُوهُ. وعُبَّادُ القُبُورِ يَجْعَلُونَ للَّهِ جُزءًا مِنْ أموالِهِم بالنَّذْرِ والصَّدَقَةِ، وللأمْوَاتِ والطَّوَاغِيتِ جُزءًا كذلِكَ، وقدْ نَصَّ غيرُ واحِدٍ من العُلَمَاءِ، عَلَى أنَّ النَّذرَ لغيرِ اللَّهِ شِرْكٌ.
قالَ شيخُ الإسلامِ: وأَمَّا ما نَذَرَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ كالنَّذْرِ للأصنامِ، والشَّمسِ، والقمرِ، والقُبُورِ، ونحوِ ذلكَ، فهو بِمَنْزِلَةِ أنْ يَحْلِفَ بغيرِ اللَّهِ مِن المَخْلُوقاتِ، والحالِفُ بالمخلوقاتِ لا وَفَاءَ عليهِ ولا كَفَّارَةَ، وكذلِكَ النَّاذِرُ للمَخْلُوقِ ليسَ عليهِ وفاءٌ ولا كفَّارةٌ؛ فإنَّ كِلَيْهِمَا شِرْكٌ، والشِّركُ ليسَ لهُ حُرْمَةٌ، بلْ عليهِ أن يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِنْ هذا العَقْدِ ويَقُولَ ما قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيثُ قالَ: (( مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ).
وقالَ أيضًا فيمَنْ نَذَرَ للقُبُورِ ونَحوِهَا دِهْنًا لِتُنَوَّرَ بهِ ويقولُ: إنَّهَا تَقْبَلُ النَّذْرَ، كمَا يقولُ بعضُ الضَّالَّينَ: فهذا النَّذْرُ مَعْصِيَةٌ باتِّفَاقِ العُلَمَاءِ، لا يَجُوزُ الوَفَاءُ بهِ، وكذلِكَ إِذَا نَذَرَ مَالًا مِن النَّقْدِ أوْ غَيْرِهِ للسَّدَنَةِ أو المُجَاوِرِينَ العاكِفِينَ بتلكِ البُقْعَةِ، فإنَّ هؤلاءِ السَّدَنَةَ فيهم شِبْهٌ مِن السَّدَنَةِ التي كانَتْ لِلَّاتِ والعُزَّى ومَنَاةَ، يأكلونَ أموالَ النَّاسِ بالباطِلِ، ويَصُدُّونَ عنْ سبيلِ اللَّهِ، والمُجَاوِرُونَ هناكَ فيهم شِبْهٌ مِن العاكِفِينَ الَّذينَ قالَ فيهم إبراهيمُ الخَلِيلُ عليهِ السَّلامُ: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنْبِياء: 52] ، والَّذينَ اجْتَازَ بِهِم مُوسَى عليهِ السَّلامُ، وقولِهِ تعالَى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعْرَاف: 138] ، فالنَّذْرُ لأولئِكَ السَّدَنَةِ والمُجَاوِرِينَ في هذه البِقَاعِ - التي لا فَضْلَ للشَّرِيعَةِ في المُجَاوَرَةِ فيها - نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وفيهِ شِبْهٌ مِن النَّذْرِ لِسَدَنَةِ الصُّلْبَانِ المُجَاوِرِينَ عندَهَا، أوْ لِسَدَنَةِ الأَبْدَالِ التي في الهِنْدِ والمُجَاوِرِينَ عندَهَا، ثُمَّ هذا المالُ إذا صَرَفَهُ في جِنْسِ تلكَ العِبَادَةِ مِن المَشْرُوعِ - مِثْلُ أنْ يَصْرِفَهُ في عِمَارَةِ المَسَاجِدِ، أوْ للصَّالِحِينَ منْ فُقَرَاءِ المسلمينَ يَسْتَعِينُونَ بالمالِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ - كانَ حَسَنًا. وقدْ تَقَدَّمَ كلامُ ابنِ القَيِّمِ في قولِهِ: ويقولونَ: إنَّهَا تَقْبَلُ النَّذْرَ؛ أيْ: تَقْبَلُ العِبَادَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ فإنَّ النَّذْرَ عبادةٌ ... إلى آخِرِهِ.