فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 399

(3) قولُهُ: في (الصَّحيحِ) ؛ أيْ: (صحيحِ البُخَارِيِّ) .

قولُهُ: (عنْ عائِشَةَ) هيَ أمُّ المؤمنينَ، وزَوْجُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبنْتُ أبي بكرٍ الصِّديِّقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، تَزَوَّجَها النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهيَ بنتُ سبعِ سِنينَ، ودَخَلَ بِهَا وهيَ بنتُ تِسْعِ سنينَ، وهيَ أَفْقَهُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا، وأفضلُ أزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا خَدِيجَةَ ففيهما خِلافٌ كثيرٌ، ماتَتْ سنَةَ سَبْعٍ وخَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، قالَهُ الحافِظُ.

قولُهُ: (( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ) )؛ أيْ: فليَفْعَلْ ما نَذَرَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وقدْ أجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً بشَرْطٍ يَرْجُوهُ كقولِهِ: إنْ شفَى اللَّهُ مَرِيضِي فعليَّ أن أَتَصَدَّقَ بكذا، ونحوِ ذلكَ، وَجَبَ عليهِ أن يُوَفِّيَ بهِا مُطْلَقًا إذا حَصَلَ الشَّرْطُ، إلَّا أنَّهُ حُكِيَ عنْ أبي حَنِيفَةَ: أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الوَفَاءُ بِمَا لا أَصْلَ لهُ في الوُجُوبِ، كالاعْتِكَافِ، وعِيادَةِ المريضِ. والحديثُ حُجَّةٌ عليهِ؛ لأنَّهُ لم يُفَرِّقْ بينَ ما لَهُ أصْلٌ في الوُجُوبِ ومَا لا أَصْلَ لَهُ؛ فإنَّهُ نَذَرَ ابْتِدَاءً كقولِهِ: للَّهِ تعالَى عليَّ صَوْمُ شَهْرٍ، فالحُكْمُ أيضًا كذلِكَ في قولِ الأكثرينَ، وعنْ بعضِهِم: أنَّهُ لا يَلْزَمُ، والحديثُ حُجَّةٌ عليهِ أيضًا؛ لأنَّهُ لم يُفَرِّقْ بينَ ما علَّقَهُ عَلَى شرطٍ وبينَ ما نَذَرَهُ ابْتِدَاءً.

قولُهُ: (( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ ) )زادَ الطَّحَاوِيُّ: (( وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ) )، قالَ ابنُ القَطَّانِ: عِندي شكٌّ في رفعِ هذه الزِّيادَةِ؛ أيْ: لا يَفْعَلِ المَعْصِيَةَ التي نَذَرَهَا، وقدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَفَاءُ بنَذْرِ المَعْصِيَةِ.

قالَ الحافِظُ في (الفَتْحِ) : واتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ النَّذْرِ في المَعْصِيَةِ، وتَنَازَعُوا: هلْ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا للكفَّارَةِ أمْ لا؟، وقدْ تَقَدَّمَ ذلكَ في البابِ قبلَهُ.

وقدْ يُسْتَدَلُّ بقولِهِ: (( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ ) )بصِحَّةِ النَّذْرِ في المُبَاحِ، كمَا هوَ مَذْهَبُ أحمدَ وغيرِهِ، يُؤَيِّدُهُ ما رَوَاهُ أبو داودَ، عنْ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جَدِّهِ، ورَوَاهُ أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ عنْ بُرَيْدَةَ، أنَّ امْرَأَةً قالَتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ أنْ أَضْرِبَ عَلَى رأْسِكَ بالدُّفِّ؟! فقالَ: (( أَوْفِ بِنَذْرِكِ ) )، وإذا صَحَّحْناهُ فحُكْمُهُ حُكْمُ الحَلِفِ عَلَى فِعْلِهِ، فيُخَيَّرُ بينَ فِعْلِهِ وكفَّارَةِ اليمينِ.

وأمَّا نَذْرُ اللَّجَاجِ والغَضَبِ فهو يَمِينٌ عندَ أحمدَ، فيُخَيَّرُ بينَ فِعْلِهِ وكَفَّارَةِ اليمينِ، لحديثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا: (( لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) )رَوَاهُ سَعِيدٌ، وأحمدُ، والنَّسائِيُّ، ولهُ طُرُقٌ وفيهِ كلامٌ، فإنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا كالطَّلاقِ اسْتُحِبَّ أن يُكَفِّرَ ولا يَفْعَلَهُ.

(4) الاسْتِعَاذَةُ: الالْتِجَاءُ والاعْتِصَامُ والتَّحَرُّزُ، وحقيقَتُهَا: الهَرَبُ مِنْ شيءٍ تَخَافُهُ إلى مَنْ يَعْصِمُكَ مِنه، ولهذا يُسَمَّى المُسْتَعَاذُ بِهِ مُعَاذًا، ومَلْجَأً وَوَزَرًا؛ فالعائِذُ باللَّهِ قدْ هَرَبَ ممَّا يُؤْذِيهِ أوْ يَهْلِكُهُ إلى رَبِّهِ ومالِكِهِ، وَفَرَّ إليهِ، وأَلْقَى نَفْسَهُ بينَ يَدَيْهِ، واعْتَصَمَ بهِ، واسْتَجَارَ بهِ، والتَجَأَ إليهِ، وهذا تَمْثِيلٌ وتَفْهِيمٌ، وإلَّا فَمَا يَقُومُ بالقَلْبِ من الالْتِجَاءِ إلى اللَّهِ، والاعْتِصَامِ بهِ، والاطِّرَاحِ بينَ يدي الرَّبِّ، والافْتِقَارِ إليهِ، والتَّذَلُّلِ بينَ يدَيهِ، أمرٌ لا تُحِيطُ بهِ العِبَارَةُ. هذا معنَى كلامِ ابنِ القَيِّمِ.

وقالَ ابنُ كثيرٍ: الاسْتِعَاذَةُ هيَ الالْتِجَاءُ إلى اللَّهِ والالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ منْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، والعِيَاذُ يكونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، واللِّياذُ لطَلَبِ الخَيْرِ. وهذا معنَى كلامِ غيرِهِمَا من العُلماءِ.

فتبيَّنَ بهِذا أنَّ الاستعاذةَ باللَّهِ عِبَادةٌ للَّهِ، ولهذا أَمَرَ اللَّهُ بالاسْتِعَاذَةِ بهِ في غيرِ آيَةٍ، وتواترتِ السُّنَنُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلكَ، قالَ اللَّهُ تعالَى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فُصِّلَتْ: 36] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت