فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 399

وقَالَ: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنونَ: 98 - 99] ، وقالَ: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غَافِر: 55] ، وقَالَ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفَلَق: 1] ، وقالَ تعالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} [النَّاس: 1 - 3] ، فإِذا كانَ تعالَى هوَ رَبُّنَا ومَلِكُنَا وإِلَهُنَا، فلا مَفْزَعَ لنا في الشَّدَائِدِ سِوَاهُ، ولا مَلْجَأَ لنا منهُ إلَّا إليهِ، ولا مَعْبُودَ لنا غيرُهُ، فلا يَنْبَغِي أن يُدْعَى ولا يُخَافَ ولا يُرْجَى ولا يُحَبَّ غيرُهُ، ولا يُذَلَّ ولا يُخْضَعَ لغيرِهِ، ولا يُتَوَكَّلَ إلَّا عليهِ؛ لأنَّ مَنْ تَخَافُهُ وتَرْجُوهُ وتَدْعُوهُ وتَتَوَكَّلُ عليهِ، إمَّا أن يكونَ مُرَبِّيكَ والقَيِّمَ بأُمُورِكَ، ومُتَوَلِّي شَأْنِكَ، فهو ربُّكَ، ولا رَبَّ لكَ سِوَاهُ، وتكونَ مَمْلُوكَهُ وعَبْدَهُ الحَقَّ، فهو مَلِكُ النَّاسِ حَقًّا، وكلُّهم عَبِيدُهُ ومَمَالِيكُهُ، أوْ يكونَ معبودَكَ وإِلَهَكَ الَّذي لا تَسْتَغْنِي عنه طَرْفَةَ عَيْنٍ، بلْ حاجَتُكَ إليهِ أعْظَمُ مِنْ حاجَتِكَ إلى حياتِكَ ورُوحِكَ، فهو الإلهُ الحَقُّ إلهُ النَّاسِ، فمَنْ كانَ ربَّهُم ومَلِكَهُم وإِلَهَهُم فهم جَدِيرونَ أن لا يَسْتَعِيذُوا بغيرِهِ، ولا يَسْتَنْصِروا بسوَاهُ، ولا يَلْجَؤُوا إلى غَيْرِ حِمَاهُ، فهو كافِيهِمْ وحَسْبُهُم وناصِرُهُم ووَلِيُّهُم، ومُتَوَلِّي أُمُورِهِم جميعًا، برُبُوبِيَّتِهِ ومُلْكِهِ وإِلَهِيَّتِهِ لهم، فكيفَ لا يَلْتَجِئُ العبدُ عندَ النَّوَازِلِ ونُزُولِ عَدُوِّهِ بهِ إلى رَبِّهِ ومَلِكِهِ وإِلَهِهِ؟! وهذه طَريقَةُ القُرْآنِ يُحْتَجُّ عليهِم بإِقْرَارِهِم بهِذا التَّوحيدِ عَلَى توحيدِ الإلَهِيَّةِ، هذا معنَى كلامِ ابنِ القَيِّمِ، فإِذا تحقَّقَ العَبْدُ بهِذه الصِّفَاتِ: الرَّبِّ والمَلِكِ والإلَهِ، وامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ واسْتَعَاذَ بهِ، فلا رَيْبَ أنَّ هذه عِبَادةٌ مِنْ أَجَلِّ العِبَادَاتِ، بلْ هوَ مِنْ حَقَائِقِ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، فإن اسْتَعَاذَ بغيرِهِ فهو عابِدٌ لذلكَ الغَيْرِ، كمَا أنَّ مَنْ صلَّى للَّهِ وصلَّى لغيرِهِ يكونُ عابِدًا لغيرِ اللَّهِ، كذلِكَ في الاسْتِعَاذَةِ، ولا فَرْقَ إلَّا أنَّ المخلوقَ يَطْلُبُ منهُ ما يَقْدِرُ عليهِ ويُسْتَعَاذُ بهِ فيهِ، بخلافِ ما لا يَقْدِرُ عليهِ إلَّا اللَّهُ، فلا يُسْتَعَاذُ فيهِ إلَّا باللَّهِ، كالدُّعاءِ؛ فإنَّ الاسْتِعَاذةَ مِنْ أنواعِهِ.

(5) المعنَى - واللَّهُ أعلمُ - عَلَى قولِ أنَّ الإنسَ زادوا الجِنَّ باسْتِعاذَتِهِم بِهِم رَهَقًا؛ أيْ: إِثْمًا وطُغْيَانًا وشَرًّا، فَضَمِيرُ الفاعِلِ عَلَى هذا للعائِذِينَ من الإِنْسِ، وضميرُ المفعولِ للمُسْتَعَاذِ بِهِم من الجِنِّ، وعلى القولِ الثَّاني بالعَكْسِ، وزيادتُهُم للإنسِ رَهَقًا بإغوائِهِم وإِضْلَالِهِم؛ وذلكَ أنَّ الرَّجُلَ من العَرَبِ كانَ إذا أَمْسَى في وادٍ قَفْرٍ في بعضِ سيرِهِ وخَافَ عَلَى نفسِهِ قالَ: أعوذُ بسيِّدِ هذا الوادِي منْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، يُرِيدُ الجِنَّ وكبيرَهُم. قالَ مُجَاهِدٌ: كانُوا يقولونَ إذا هبَطُوا وادِيًا: نَعوذُ بعظيمِ هذا الوادِي، {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قالَ: زادُوا الكُفَّارَ طُغْيَانًا. رواهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والآثارُ بذلكَ عن السَّلَفِ مَشْهُورةٌ.

ووجهُ الاسْتِدْلالِ بالآيَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ: أنَّ اللَّهَ حَكَى عنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ أنَّهَم لَمَّا تَبَيَّنَ لهم دِينُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ، ذكروا أشياءَ مِن الشِّرْكِ كانُوا يَعْتَقِدُونَهَا في الجاهِلِيَّةِ، منْ جُمْلَتِهَا الاسْتِعاذةُ بغيرِ اللَّهِ.

وقدْ أجْمَعَ العلماءُ عَلَى أنَّهُ لا تَجُوزُ الاسْتِعَاذةُ بغيرِ اللَّهِ، ولهذا نَهَوْا عن الرُّقَى التي لا يُعْرَفُ معنَاهَا؛ خَشْيَةَ أنْ يكونَ فيها شيءٌ منْ ذلكَ. قالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِيُّ الحَنَفِيُّ: ولا تَجُوزُ الاسْتِعَاذَةُ بالجِنِّ، فقدْ ذَمَّ اللَّهُ الكافِرينَ عَلَى ذلكَ فقالَ: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجِنّ: 6] إلى أن قالَ: وقالَ تعالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128] ، فاسْتِمْتَاعُ الإِنْسِيِّ بالجِنِيِّ في قضَاءِ حوائِجِهِ وامْتِثَالِ أوامِرِهِ، أوْ إخبارِهِ بشيءٍ من المُغَيَّبَاتِ، واسْتِمْتَاعُ الجِنِيِّ بالإنسيِّ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ، واسْتِعَاذَتُهُ بهِ، واسْتِغَاثَتُهُ وخُضُوعُهُ لهُ. وفيهِ أنَّ كَوْنَ الشَّيءِ يَحْصُلُ بهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، منْ كَفِّ شَرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، لا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ ليسَ من الشِّركِ. ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.

قولُهُ:"عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ"أي: ابنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّةِ، يُقالُ لَهَا: أُمُّ شَرِيكٍ، ويُقالُ لها: خُوَيْلَةُ بالتَّصْغِيرِ، ويُقالُ: إنَّهَا هيَ الواهِبَةُ، وكانَتْ قبلُ تَحْتَ عُثمانَ بنِ مُظْعُونٍ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وكانَت صالِحةً فاضِلَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت