فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 399

وقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِنِّي لا أَحْمِلُ هَمَّ الإِجَابَةِ، ولَكِنْ هَمَّ الدُّعَاءِ، فَإِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ عَلِمْتُ أنَّ الإِجَابَةَ مَعَهُ". وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَفْضَلُ العِبادةِ الدُّعاءُ"وقَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] . رَواهُ ابنُ المُنْذِرِ، والحاكمُ وصحَّحَهُ. وقالَ مُطَرِّفٌ:"تَذَكَّرْتُ ما جِماعُ الخيرِ، فإذا الخيرُ كَثِيرٌ: الصَّلاةُ، والصِّيامُ، وإذا هوَ في يدِ اللَّهِ تعالَى، وإذا أنتَ لا تَقْدِرُ عَلَى ما في يدِ اللَّهِ إلَّا أن تَسْأَلَهُ فيُعْطِيَكَ"رَواهُ أحمدُ. والأحاديثُ والآثارُ في ذلكَ لا يُحِيطُ بِهَا إلَّا اللَّهُ تعالَى.

فثَبَتَ بهِذا أنَّ الدُّعاءَ عِبادةٌ منْ أَجَلِّ العباداتِ، بلْ هوَ أَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ كمَا تَقَدَّمَ، فإنْ لمْ يَكُن الإشراكُ فيهِ شِرْكًا، فليسَ في الأَرْضِ شِرْكٌ، وإن كَانَ في الأَرْضِ شِرْكٌ فالشِّركُ في الدُّعاءِ أَوْلَى أن يَكونَ شِرْكًا مِن الإشراكِ في غيرِهِ مِنْ أنواعِ العبادةِ، بل الإشراكُ في الدُّعاءِ هوَ أَكْبَرُ شِرْكِ المشْرِكِينَ الَّذينَ بُعِثَ إليهمْ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنَّهُم يَدْعُونَ الأنبياءَ والصَّالحينَ والملائكةَ، ويَتَقَرَّبُونَ إليهم لِيَشْفَعُوا لهم عِندَ اللَّهِ، ولهذا يُخْلِصُونَ في الشَّدائدِ للَّهِ ويَنْسَونَ ما يُشْرِكُونَ، حتَّى جاءَ أنَّهُم إذا جاءَتْهُم الشَّدائِدُ في البَحْرِ يُلْقُونَ أَصْنامَهُمْ في البَحْرِ ويَقُولُونَ: يا اللَّهُ يا اللَّهُ، لِعِلْمِهِم أنَّ آلِهَتَهُم لا تَكْشِفُ الضُّرَّ، ولا تُجِيبُ المُضْطَرَّ. وقالَ تعالَى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] ، فهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ ذلكَ للَّهِ وحدَهُ، وأنَّ آلهتَهَمُ ليسَ عندَهَا شَيْءٌ مِنْ ذلكَ، ولهذا احْتَجَّ سبحانَهُ وتعالَى عليهم بذلكَ أنَّهُ هوَ الإلَهُ الحَقُّ، وعلى بُطْلانِ إلهيَّةِ ما سِوَاه. وقالَ تعالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] . فهذه حالُ المشركينَ الأوَّلِينَ، وأمَّا عُبَّادُ القُبورِ اليومَ فلا إلهَ إلَّا اللَّهُ، كمْ ذا بينَهُم وبينَ المشركينَ الأوَّلِينَ مِن التَّفاوُتِ العظيمِ في الشِّركِ، فإنَّهُم إذا أَصَابَتْهُم الشَّدائدُ بَرًّا وبَحْرًا أَخْلَصُوا لآلهتِهِم وأَوْثَانِهِم الَّتي يَدْعُونَهَا مِنْ دونِ اللَّهِ، وأَكْثَرُهُم قد اتَّخَذَ ذِكْرَ إِلَهِهِ وشَيْخِهِ دَيْدَنَهُ وهِجِّيرَاهُ، إنْ قامَ، وإنْ قَعَدَ، وإنْ عَثَرَ. هذا يَقولُ: يا عَلِيُّ، وهذا يَقولُ: يا عبدَ القادِرِ، وهذا يَقولُ: يا ابنَ عُلْوَانَ، وهذا يَدْعُو البَدَوِيَّ، وهذا يَدْعُو العَيْدَرُوسَ، وبالجُمْلةِ فَفِي كُلِّ بَلَدٍ في الغالبِ أُناسٌ يَدْعُونَهُم ويَسْأَلُونَهُم قَضاءَ الحاجاتِ، وتَفْريجَ الكُرُباتِ، بلْ بَلَغَ الأَمْرُ إلى أن سَأَلُوهُم مَغْفِرَةَ الذُّنوبِ، وتَرْجِيحَ المِيزانِ، ودُخولَ الجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِن النَّارِ، والتَّثْبِيتَ عندَ الموتِ والسَّؤالِ، وغيرَ ذلكَ مِنْ أنواعِ المَطالِبِ الَّتي لا تُطْلَبُ إلَّا مِن اللَّهِ. وقدْ يَسْأَلُونَ ذلكَ مِنْ أُناسٍ يَدَّعُونَ الوِلايةَ، ويُنَصِّبونَ أَنْفَسَهُم لِهذه الأُمورِ وغيرِهَا مِنْ أنواعِ النَّفعِ والضُّرِّ الَّتي هيَ خَواصُّ الإلهيَّةِ، ويُلَفِّقُونَ لهم مِن الأكاذيبِ في ذلكَ عَجائبَ، منها أنَّهُم يَدَّعُونَ أنَّهُم يُخَلِّصُونَ مَن الْتَجَأَ إليهم ولاذَ بِحِماهُمْ مِن النَّارِ والعذابِ، فَيَقولُ أحدُهُم: إنَّهُ يَقِفُ عندَ النَّارِ فلا يَدَعُ أَحَدًا مِمَّنْ يَرْتَجِيهِ ويَدْعُوهُ يَدْخُلُهَا، أوْ نحوَ هذا، وقدْ قالَ تَعالَى لِسيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} [الزُّمَر: 19] ، فإذا كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِ أَحَدٍ مِن النَّارِ، فكيفَ بِغَيْرِهِ؟! بلْ كيفَ بمَنْ يَدَّعِي نفسَهُ أنَّهُ هوَ يَفْعَلُ ذلِكَ؟! ومنها أنَّ أَكْثَرَهُم يُلَفِّقُ حِكاياتٍ في أنَّ بعضَ النَّاسِ اسْتَغاثَ بفلانٍ فأَغَاثَهُ، أوْ دَعَا الوَلِيَّ الفُلانيَّ فأَجَابَهُ، أوْ في كُرْبةٍ فَفَرَّجَ عنه، وعندَ عُبَّادِ القُبورِ منْ ذلكَ شيءٌ كثيرٌ مِنْ جِنْسِ ما عندَ عُبَّادِ الأصنامِ الَّذِينَ اسْتَوْلَتْ عليهِم الشَّياطِينُ، ولَعِبُوا بِهِم لَعِبَ الصِّبْيانِ بالكُرَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت