فهرس الكتاب
وهذا هوَ الَّذِي أَرَادَهُ المُشْرِكُونَ مِمَّن عَبَدُوه، وهو الجاهُ والشَّفاعةُ عندَ اللَّهِ، وذلكَ هوَ الشِّركُ، وأيضًا فإنَّ الشَّفاعةَ لا تَكُونُ إلَّا بعدَ إذنِ اللَّهِ؛ فلا مَعْنَى لِطَلَبِهَا مِنْ غيرِهِ، فإنَّ اللَّهَ تعالَى هوَ الَّذِي يَأْذَنُ للشَّافعِ أن يَشْفَعَ؛ لأنَّ الشَّافعَ لا يَشْفَعُ ابْتِدَاءً.
الرَّابعُ قولُهُ: فإنَّ لي ذِمَّةً ... إلى آخِرِهِ.
كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وعلى رَسولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فليسَ بينَهُ وبينَ مَن اسمُهُ مُحَمَّدٌ ذِمَّةٌ إِلَّا بالطَّاعةِ، لا بمجَرَّدِ الإشراكِ في الاسمِ معَ الشِّركِ.
الخامسُ قولُهُ: إنْ لمْ يَكُنْ في مَعادِي ... البيتَ.
تَنَاقُضٌ عَظِيمٌ، وشِرْكٌ ظاهرٌ، فإنَّهُ طَلَبَ أوَّلًا أن لا يَضِيقَ بهِ جاهُهُ، ثُمَّ طَلَبَ هنا أن يَأْخُذَ بِيَدِهِ فَضْلًا وإحسانًا، وإلَّا فَيَا هَلاكَهُ.
فيُقالُ: كيفَ طَلَبْتَ مِنْه أوَّلًا الشَّفاعةَ ثُمَّ طَلَبْتَ منهُ هنا أنْ يَتَفَضَّلَ عليكَ؟ فإنْ كُنْتَ تَقولُ: إنَّ الشَّفاعةَ لا تَكونُ إلَّا بعدَ إِذْنِ اللَّهِ، فكيفَ تَدْعُو النِّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتَرْجُوه وتَسْأَلُهُ الشَّفاعةَ؟! فهلَّا سَأَلْتَهَا: مَنْ لهُ الشَّفاعةُ جَمِيعًا الَّذي لهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأرضِ، الَّذِي لا تَكونُ الشَّفاعةُ إلَّا مِنْ بعدِ إذنِهِ؟!! فهذا يُبْطِلُ عليكَ طَلَبَ الشَّفاعةِ مِنْ غيرِ اللَّهِ.
وإن قُلْتَ: ما أُرِيدُ إلَّا جاهَهُ، وشَفاعتُهُ بإذنِ اللَّهِ.
قِيلَ: فكيفَ سَأَلْتَهُ أن يَتَفَضَّلَ عليكَ ويَأْخُذَ بِيَدِكِ في يومِ الدِّينِ، فهذا مُضادٌّ لِقولِهِ تعالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانْفِطار: 17 - 18 - 19] ، فكيفَ يَجْتَمِعُ في قلبِ عَبْدٍ الإيمانُ بِهَذا وهذا؟!!.
وإن قُلْتَ: سَأَلْتُهُ أن يَأْخُذَ بيدِي، ويَتَفَضَّلَ عَلَيَّ بِجَاهِهِ وشَفاعتِهِ.
قِيلَ: عادَ الأَمْرُ إلى طَلَبِ الشَّفاعةِ مِنْ غيرِ اللَّهِ، وذلكَ هوَ مَحْضُ الشِّرْكِ.
السَّادسُ: في هذه الأبياتِ مِن التَّبَرِّي من الخَالِقِ - تَعالَى وتَقَدَّسَ - والاعتمادِ عَلَى المخلوقِ في حوادثِ الدُّنيا والآخرةِ ما لا يَخْفَى عَلَى مُؤْمِنٍ، فأينَ هذا مِنْ قولِهِ تعالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 4] ، وقولِهِ تعالَى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 138] ، وقولِهِ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرْقَان: 58] ، وقولِهِ تعالَى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ} [الجِنّ: 21 - 22] ؟!!.
فإنْ قِيلَ: هوَ لم يَسْأَلْهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عليهِ، وإنَّما أَخْبَرَ أنَّهُ إنْ لمْ يَدْخُلْ في عُمومِ شَفاعتِهِ فيا هلاكَهُ. قِيلَ: المُرادُ بذلكَ سُؤالُهُ وطَلَبُ الفَضْلِ منهُ، كمَا دَعَاهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وأَخْبَرَ أنَّهُ لا مَلاذَ لهُ سِوَاه، ثُمَّ صَرَّحَ بسؤالِ الفَضْلِ والإحسانِ بصِيغةِ الشَّرطِ والدُّعاءِ، والسُّؤالُ كمَا يَكونُ بصِيغةِ الطَّلَبِ يَكُونُ بِصِيغةِ الشَّرطِ كمَا قالَ نُوحٌ عليهِ السَّلامُ: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هُود: 46] .
ومِنْ شِعْرِ البُرَعِيِّ قولُهُ:
مَاذَا تُعَامِلُ يَا شَمْسَ النُّبوَّةِ مَنْ أَضْحَى إِلَيْكَ مِن الأَشْوَاقِ في كَبِدِي