فهرس الكتاب
وإنْ كُنَّا غَنِيِّينَ بِكِتابِ رَبِّنَا، وسُنَّةِ نبيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عنْ كلِّ كلامٍ، إلَّا أنَّهُ قَدْ صَارَ بَعْضُ الناسِ مُنْتَسِبًا إلى طائفةٍ مُعَيَّنةٍ، فلوْ أَتَيْتَهُ بكُلِّ آَيَةٍ مِنْ كِتابِ اللَّهِ، وكلِّ سُنَّةٍ عنْ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يَقْبَلْ حتَّى تَأْتِيَهُ بشيءٍ مِنْ كلامِ العلماءِ، أوْ بشيءٍ منْ كلامِ طائفتِهِ الَّتي يَنْتَسِبُ إليها.
قالَ الإمامُ أبو الوفاءِ عَلِيُّ بنُ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيُّ صاحبُ كِتابِ (الفُنُونِ) الَّذي ألَّفَهُ في نحوِ أربعِمائةِ مُجَلَّدٍ، وغيرِهِ من التَّصانيفِ، قالَ في الكتابِ المَذْكُورِ: لَمَّا صَعُبَت التَّكاليفُ عَلَى الجُهَّالِ والطَّغامِ، عَدَلُوا عنْ أَوْضاعِ الشَّرْعِ إلى تَعْظِيمِ أَوْضاعٍ وَضَعُوهَا لأنفسِهِم، فسَهُلَتْ عليهم إذ لم يَدْخُلُوا بِهَا تَحْتَ أَمْرِ غيرِهِم، وهم عندي كُفَّارٌ لهذه الأَوْضَاعِ، مثلُ تَعْظِيمِ القُبورِ، وخِطابِ المَوْتَى بالحَوَائِجِ، وكَتْبِ الرِّقاعِ فيها: يا مَوْلاي افْعَلْ بي كَذا وكَذا، أوْ إِلْقاءِ الخِرَقِ عَلَى الشَّجرِ اقْتِدَاءً بمَنْ عبدَ اللَّاتَ والعُزَّى. نَقَلَهُ غيرُ واحدٍ، مُقَرِّينَ لهُ، رَاضِينَ بهِ، منهُم الإمامُ أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ، والإمامُ ابنُ مُفْلِحٍ صاحِبُ كتابِ (الفُروعِ) وغيرِهِما.
وقالَ شيخُ الإسلامِ في (الرِّسالةِ السَّنيَّةِ) : فإذا كانَ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن انْتَسَبَ إلى الإسلامِ مَنْ مَرَقَ مِنه معَ عبادتِهِ العَظيمةِ، فَلْيَعْلَمْ أنَّ المُنْتَسِبَ إلى الإسلامِ والسُّنَّةِ في هذه الأزمانِ أيضًا قدْ يَمْرُقُ أيضًا مِن الإسلامِ وذلكَ بأسبابٍ، منها: الغُلُوُّ الَّذي ذَمَّهُ اللَّهُ في كِتابهِ حيثُ قالَ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النِّساء: 170] . وكذلِكَ الغُلُوُّ في بعضِ المَشايِخِ، بل الغُلُوُّ في عَلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ، بل الغُلُوُّ في المَسِيحِ عليهِ السَّلامُ، فكلُّ مَنْ غَلا في نَبيٍّ أوْ رجلٍ صالحٍ وجَعَلَ فيهِ نَوْعًا مِن الإلهيَّةِ، مثلُ أن يَقولَ: يا سَيِّدي فُلانُ انْصُرْنِي، أوْ أَغِثْنِي، أو ارْزُقْنِي، أو اجْبُرْنِي، أوْ أَنَا في حَسْبِكَ، ونحوِ هذه الأقوالِ، فكلُّ هذا شِركٌ وضَلالٌ، يُسْتَتابُ صاحبُهُ، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ، فإنَّ اللَّهَ إنَّما أَرْسَلَ الرُّسلَ وأَنْزَلَ الكُتُبَ لِيُعْبَدَ وحدَهُ، ولا يُدْعَى مَعَه إلهٌ آخَرُ، والَّذينَ يَدْعُونَ معَ اللَّهِ آلهةً أُخْرى مثلَ المَسِيحِ، والملائكةِ، والأصنامِ، لم يَكونُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهَا تَخْلُقُ الخلائقَ، أوْ تُنْزِلُ المَطَرَ، أوْ تُنْبِتُ النَّباتَ، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَهُم أوْ يَعْبُدُونَ قُبُورَهُم، أوْ يَعْبُدُونَ صُورَهُم، يَقولونَ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَر: 3] ، ويَقولونَ: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يُونُس: 18] ، فبَعَثَ اللَّهُ رُسلَهُ تَنْهَى أن يُدْعَى أحدٌ مِنْ دونِهِ، لا دُعاءَ عبادةٍ، ولا دُعاءَ استغاثةٍ. انْتَهَى.
وقدْ نَصَّ الحافِظُ أبو بَكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيٍّ المَقْرِيزِيُّ صاحبُ كتابِ (الخِطَطِ) في كِتابٍ لهُ في التَّوحيدِ عَلَى أنَّ دُعاءَ غيرِ اللَّهِ شركٌ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ: مَنْ جَعَلَ بينَهُ وبينَ اللَّهِ وَسَائطَ يَتَوَكَّلُ عليهم يَدْعُوهم ويَسْأَلُهم، كَفَرَ إِجْماعًا، نَقَلَهُ عنه غيرُ واحدٍ مُقَرِّرِينَ لهُ، مِنهُم ابنُ مُفْلِحٍ في (الفُروعِ) ، وصاحبُ (الإِنْصافِ) ، وصاحبُ (الغايةِ) ، وصاحبُ (الإِقْناعِ) وشارحُهُ، وغيرُهُم، ونَقَلَهُ صاحبُ (القَوَاطعِ) في كِتابهِ عنْ صاحبِ (الفُروعِ) .
قُلْتُ: وهو إِجْماعٌ صحيحٌ معلومٌ بالضَّرورةِ مِن الدِّينَ، وقدْ نَصَّ العُلماءُ منْ أهلِ المذاهبِ الأربعةِ، وغيرُهُم في بابِ حُكْمِ المُرْتَدِّ عَلَى أنَّ مَنْ أَشْرَكَ باللَّهِ فهو كافرٌ، أيْ: عَبَدَ معَ اللَّهِ غِيرَهُ بنوعٍ مِنْ أنواعِ العِباداتِ. وقدْ ثبَتَ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ أنَّ دُعاءَ اللَّهِ عِبادةٌ لهُ، فيكونُ صَرْفُهُ لغيرِ اللَّهِ شركًا.