فهرس الكتاب
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بلْ يَطْلُبُونَ مثلَ ذلكَ منْ غيرِهِ، كمَا حَدَّثَ بعضُ الثِقِّاتِ أنَّهُ رَأَى في رابِيةِ صاحِبِ مَشْهَدٍ مِن المَشاهِدِ:"هذه رايةُ البَحْرِ التَّيَّارِ، بهِ أَسْتَغِيثُ وأَسْتَجِيرُ، وبِهِ أَعُوذُ مِن النَّارِ".
وقالَ بعضُهُم في قَصِيدةٍ في بعضِ آلَهَتِهِم:
يا سَيِّدِي يا صَفَيَّ الدَّينِ يا سَنَدِي يا عُمْدَتِي بلْ ويا ذُخْرِي ومُفْتَخَرِي
أنت المَلاذُ لِمَا أَخْشَى ضُرورَتَهُ وأنت لِي مَلْجَأٌ مِنْ حادِثِ الدَّهْرِ
إلى أنْ قالَ:
وامْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْفِيقٍ وعَافِيةٍ وخيرِ خاتِمةٍ مَهْمَا انْقَضَى عُمُرِي
وكُفَّ عنَّا أَكُفَّ الظَّالِمِينَ إذا امْـ تَدَّتْ بِسُوءٍ لأَمْرٍ مُؤْلِمٍ نُكُرِ
فإنَّنِي عَبْدُكَ الرَّاجِي بِوِدِّكَ ما أَمَّلْتُهُ يا صَفَيَّ السَّادَةِ الغُرَرِ
قالَ بعضُ العلماءِ:"فلا نَدْرِي: أيَّ مَعْنًى اخْتَصَّ بهِ الخالقُ تعالَى بعدَ هذهِ المَنْزِلَةِ؟ وماذا أَبْقَى هذا المُتَكَلِّمُ الخَبِيثُ لخالِقِه مِن الأَمْرِ؟ فإنَّ المشركينَ أَهْلَ الأَوْثانِ ما يُؤَلِّهُون مَنْ عَبَدُوهُ لِشيءٍ مِنْ هذا"انْتَهَى.
وكثيرٌ مِنْ عُبَّادِ القُبورِ يُنَادُونَ المَيِّتَ مِنْ مَسافةِ شَهْرٍ وأَكْثَرَ يَسْأَلُونَهُ حَوَائِجَهُم، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَسْمَعُ دُعاءَهُم ويَسْتَجِيبُ لَهُم، وتَسْمَعُ عندَهُم حالَ رُكوبِهُم البَحْرَ واضْطِرابهِ مِنْ دُعاءِ الأَمْواتِ والاسْتِغاثةِ بِهِم ما لا يَخْطُرُ عَلَى بالٍ، وكذلِكَ إذا أَصَابَتْهُم الشَّدائدُ، مِنْ مَرَضٍ، أوْ كُسُوفٍ، أوْ رِيحٍ شَدِيدةٍ، أوْ غيرِ ذلكَ، فالوَلِيُّ في ذلكَ نُصْبُ أَعْيُنِهِم، والاستغاثةُ بِهِ هيَ مَلاذُهُم، ولوْ ذَهَبْنَا نَذْكُرُ ما يُشْبِهُ هذا لَطَالَ الكلامُ.
وإذا عَرَفْتَ هذا، فقدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ دُعاءِ المسألةِ.
وأمَّا دُعاءُ العِبادةِ، فهو عِبادةُ اللَّهِ تَعالَى بأنواعِ العِباداتِ، مِن الصَّلاةِ، والذَّبْحِ، والنَّذْرِ، والصِّيامِ، والحَجِّ، وغيرِهَا، خوفًا وطَمَعًا، يَرْجُو رَحْمَتُه، ويَخافُ عَذابَهُ، وإن لم يَكُنْ في ذلكَ صِيغةُ سُؤالٍ وطَلَبٍ، فالعابدُ الَّذي يُرِيدُ الجنَّةَ ويَهْرُبُ مِن النَّارِ، وهو سائلٌ راغبٌ راهبٌ، يَرْغَبُ في حُصولِ مُرادِهِ، ويَرْهَبُ مِنْ فَوَاتِهِ، وهو سائلٌ لِمَا يَطْلُبُهُ بامْتِثالِ الأَمْرِ في فِعْلِ العِبادةِ، وقدْ فُسِّرَ قولُهُ تعالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] بِهَذا وهذا. قِيلَ: اعْبُدُونِي وامْتَثِلُوا أَمْرِي أَسْتَجِبْ لكم، وقِيلَ: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، وعلى هذا القولِ تَدُلُّ الأحاديثُ والآثارُ.
إذا تَبَيَّنَ ذلكَ، فاعْلَمْ أنَّ العلماءَ أَجْمَعُوا عَلَى أنَّ مَنْ صَرَفَ شيئًا مِنْ نَوْعَيِ الدُّعاءِ لغيرِ اللَّهِ فهو مُشْرِكٌ، ولوْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وصَلَّى وصَامَ؛ إذْ شَرْطُ الإسلامِ معَ التَّلَفُّظِ بالشَّهادتينِ أن لا يُعْبَدَ إلَّا اللَّهُ، فمَنْ أَتَى بالشَّهادَتَيْنِ وعبدَ غَيْرَ اللَّهِ فما أَتَى بِهِما حَقِيقةً وإنْ تَلَفَّظَ بِهِما، كاليهودِ الَّذينَ يَقولُونَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وهم مُشْرِكونَ، ومجرَّدُ التَّلفُّظِ بِهِما لا يَكْفِي في الإسلامِ بِدونِ العملِ بمعناهما واعتقادِهِ إِجْماعًا.
ذِكْرُ شيءٌ مِنْ كَلامِ العُلماءِ في ذلكَ