فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 399

وفي (الفَتاوَى البَزَّازيَّةِ مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ) : قالَ عُلماؤُنَا: مَنْ قَالَ: أَرْوَاحُ المَشايخِ حاضِرةٌ تَعْلَمُ، يَكْفُرْ. فإنْ أَرَادَ بالعُلماءِ عُلماءَ الشَّريعةِ فهو حِكايةٌ للإجماعِ عَلَى كُفْرِ مُعْتَقِدِ ذلكَ، وإن أَرَادَ عُلماءَ الحنفِيَّةِ خَاصَّةً، فهو حِكايةٌ لاتِّفاقِهم عَلَى كُفْرِ مُعْتَقِدِ ذلكَ، وعلى التَّقديرَيْنِ تَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا في كُفْرِ مَنْ دَعَا أهلَ القبورِ؛ لأنَّهُ ما دَعاهم حتَّى اعْتَقَدَ أنَّهُم يَعْلَمُونَ ذلكَ، ويَقْدِرُونَ عَلَى إِجابةِ سؤالِهِ، وقَضاءِ مَأْمولِهِ.

وقالَ الشَّيخُ صُنْعُ اللَّهِ الحَلَبِيُّ الحَنَفِيُّ في كِتابهِ الَّذي ألَّفَهُ في الرَّدِّ عَلَى مَن ادَّعَى أنَّ لِلأَوْلِياءِ تَصَرُّفًا في الحياةِ وبعدَ المماتِ في سبيلِ الكَرامةِ: هذا وإنَّهُ قدْ ظَهَرَ الآنَ فيما بينَ المسلِمِينَ جَماعاتٌ يَدَّعُونَ أنَّ للأولياءِ تَصَرُّفاتٍ في حَياتِهِم وبعدَ المماتِ، ويُسْتَغاثُ بِهِم في الشَّدائدِ والبَلِيَّاتِ، وبِهِمَمِهِم تُكْشَفُ المُهِمَّاتُ، فيَأْتُون قُبورَهُم، ويُنادُونَهُم في قَضاءِ الحاجاتِ، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى أنَّ ذلكَ منهم كَراماتٌ، وقالُوا: منهم أَبْدالٌ ونُقباءُ، وأَوْتادٌ ونُجَباءُ، وسبعونَ وسبعةٌ، وأربعونَ وأربعةٌ، والقُطْبُ هوَ الغَوْثُ للنَّاسِ، وعليهِ المَدارُ بلا الْتِباسٍ، وجَوَّزوا لهم الذَّبائحَ والنُّذورَ، وأَثْبَتُوا لهم فيهَا الأُجورَ. قالَ: وهذا الكلامُ فيهِ تَفْرِيطٌ وإِفْراطٌ، بلْ فيهِ الهَلاكُ الأَبَدِيُّ، والعذابُ السَّرْمَدِيُّ، لِمَا فيهِ مِنْ رَوائحِ الشِّركِ المُحَقَّقِ، ومُصادمةِ الكتابِ العزيزِ المُصَدَّقِ، ومُخالِفٌ لِعَقائدِ الأئِمَّةِ، وما اجْتَمَعَتْ عليهِ الأُمَّةُ. وفي التَّنْزِيلِ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النِّساء: 114] إلى أنْ قالَ: الفَصْلُ الأوَّلُ: فيما انْتَحَلُوهُ من الإِفْكِ الوَخِيمِ والشِّركِ العَظِيمِ ... إلى أن قالَ: فأمَّا قَولُهُم: إنَّ للأولياءِ تَصَرُّفاتٍ في حَياتِهِم وبعدَ المماتِ، فيَرُدُّهُ قولُهُ تعالَى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 60] {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الَمَّائدة: 120] ، ونحوُهُ مِن الآياتِ الدَّالَّةِ عَلَى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ، والتَّصَرُّفِ والتَّقديرِ، ولا شَيءَ لِغيرِهِ في شيءٍ ما بوجهٍ مِن الوجوهِ، فالكلُّ تحتَ مُلْكِهِ وقَهْرِهِ تَصَرُّفًا ومِلْكًا، وإِحْياءً وإماتةً وخَلْقًا، وتَمَدَّحَ الرَّبُّ سبحانَهُ بانْفِرَادِهِ في مُلْكِهِ بآياتٍ مِنْ كتابِهِ كقولِهِ: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3] {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] وذَكَرَ آياتٍ في هذا المعنَى، ثُمَّ قالَ: فقولُهُ في الآياتِ كُلِّها (مِنْ دُونِهِ) أيْ: مِنْ غيرِهِ، فإنَّهُ عامٌّ، يَدْخُلُ فيهِ مَن اعْتَقَدْتَهُ، مِنْ وَلِيٍّ وشيطانٍ تَسْتَمِدُّهُ، فإنَّ مَنْ لم يَقْدِرْ عَلَى نَصْرِ نفسِهِ كيفَ يَمُدُّ غيرَهُ، إلى أن قالَ: فكيفَ يُتَصَوَّرُ لِغيرِهِ مِنْ مُمْكِنٍ أن يَتَصَرَّفَ، إنَّ هذا مِن السَّفاهةِ لَقَوْلٌ وَخِيمٌ، وشرْكٌ عظيمٌ، إلى أن قالَ: وأمَّا القولُ بالتَّصَرُّفِ بعدَ المماتِ، فهو أَشْنَعُ وأَبْدَعُ مِن القولِ بالتَّصرُّفِ في الحياةِ، قالَ جلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزُّمَر: 30] ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزُّمَر: 42] ، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عِمْرانَ: 185] ، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المُدَّثِّر: 38] ، وفي الحديثِ: (( إِذَا مَاتَ ابْنُ آَدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ) )الحديثَ، فجميعُ ذلكَ وما هوَ نحوُهُ دَالٌّ عَلَى انْقِطاعِ الحِسِّ والحركةِ مِن المَيِّتِ، وأنَّ أَرْوَاحَهُمْ مُمْسَكَةٌ، وأنَّ أَعْمالَهُم مُنْقَطِعةٌ عنْ زِيادةٍ ونُقْصانٍ، فدَلَّ ذلكَ أنْ ليسَ للمَيِّتِ تَصَرُّفٌ في ذاتِهِ؛ فَضْلًا عنْ غيرِهِ بحركةٍ، وأنَّ رُوحَهُ مَحْبوسَةٌ مَرْهُونةٌ بعملِهَا مِنْ خيرٍ وشرٍّ، فإذا عَجَزَ عنْ حركةِ نفسِهِ، فكيفَ يَتَصَرَّفُ في غيرِهِ؟! فاللَّهُ سبحانَهُ يُخْبِرُ أنَّ الأَرْواحَ عندَهُ، وهؤلاء المُلْحِدُونَ يَقولونَ: إنَّ الأرواحَ مُطْلَقةٌ مُتَصَرِّفَةٌ، قُلْ أَأَنْتُم أَعْلَمُ أم اللَّهُ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت