فهرس الكتاب
قالَ: وأمَّا اعْتِقادُهُم أنَّ هذه التَّصرُّفاتِ لهم مِن الكَراماتِ، فهو مِن المُغالَطةِ؛ لأنَّ الكرامةَ شيءٌ مِنْ عندِ اللَّهِ يُكَرِّمُ بِها أَوْلِياءَهُ، لا قَصْدَ لهم فيهِ ولا تَحَدِّيَ، ولا قُدْرةَ، ولا عِلْمَ، كمَا في قِصَّةِ مَرْيَمَ بنتِ عِمْرانَ، وأُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ، وأَبِي مُسْلِمٍ الخُولانِيِّ.
قالَ: وأمَّا قولُهُم: فيُسْتَغَاثُ بِهم في الشَّدائدِ، فهذا أَقْبَحُ ممَّا قَبْلَهُ وأَبْدَعُ، لمُصادَمتِهِ قولَهُ جلَّ ذِكْرُهُ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 62] ، {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلَمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63] ، وذَكَرَ آياتٍ في هذا المعنَى، ثُمَّ قالَ: فإنَّهُ جلَّ ذِكْرُهُ قَرَّرَ أنَّهُ الكاشِفُ للضُّرِّ لا غيرُهُ، وأنَّهُ المُتَعَيِّنُ لِكَشْفِ الشَّدائدِ والكُرَبِ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بإِجابةِ المُضْطَرِينَ، وأنَّهُ المُسْتَغاثُ لذلكَ كلِّهِ، وأنَّهُ القادرُ عَلَى دَفْعِ الضُّرِّ، والقادرُ عَلَى إِيصالِ الخيرِ، فهو المُنْفَرِدُ بذلكَ، فإذا تَعَيَّنَ هوَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - خَرَجَ غيرُهُ مِنْ مَلَكٍ، ونَبِيٍّ، ووَلِيٍّ.
قالَ: والاستغاثةُ تَجوزُ في الأسبابِ الظَّاهرةِ العاديَّةِ مِن الأمورِ الحِسِّيَّةِ في قِتالٍ، أوْ إِدْراكِ عَدُوٍّ أوْ سَبُعٍ، ونحوِهِ، كقولِهِم: يا لَزَيْدٍ، يا لَقَوْمٍ، يا لَلْمُسْلِمِينَ، كمَا ذَكَرُوا ذلكَ في كُتُبِ النَّحْوِ بحَسَبِ الأسبابِ الظَّاهرةِ بالفعلِ، وأمَّا الاستغاثةُ بالقوَّةِ والتَّأثيرِ، أوْ في الأمورِ المعنويَّةِ مِن الشَّدائدِ، كالمرضِ، وخوفِ الغَرَقِ، والضِّيقِ، والفَقْرِ، وطَلَبِ الرِّزْقِ، ونحوِهِ، فمِنْ خَصائِصِ اللَّهِ؛ فلا يُطْلَبُ فيها غيرُهُ.
قالَ: وأمَّا كَوْنُهُم مُعْتَقِدِينَ التَّأثيرَ مِنهم في قَضاءِ حاجاتِهِم كمَا تَفْعَلُهُ جاهِلِيَّةُ العربِ، والصُّوفيَّةُ، والجُهَّالُ، ويُنادُونَهُم ويَسْتَنْجِدُونَ بِهِم، فهذا مِن المُنْكَراتِ. إلى أن قالَ: فمَن اعْتَقَدَ أنَّ لِغيرِ اللَّهِ - مِنْ نَبِيٍّ، أوْ وَلِيٍّ، أوْ رُوحٍ، أوْ غيرِ ذلكَ - في كَشْفِ كُرَبهِ، أوْ قَضاءِ حاجتِهِ، تَأْثيرًا، فقدْ وَقَعَ في وادِي جَهْلٍ خَطِيرٍ، فهو عَلَى شَفا حُفْرَةٍ مِن السَّعيرِ. وأمَّا كَوْنُهُم مُسْتَدِلِّينَ عَلَى أنَّ ذلكَ مِنهم كَرَاماتٌ، فحاشا لِلَّهِ أن تَكونَ أولياءُ اللَّهِ بِهذه المَثابةِ، فهذا ظَنُّ أهلِ الأوثانِ، كذا أَخْبَرَ الرَّحمنُ: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يُونُس: 18] ، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ} [يس: 23] . فإنَّ ذِكْرَ ما ليسَ مِنْ شأَنِهِ النَّفْعُ ولا دَفْعُ الضُّرِّ منْ نَبِيٍّ ووَلِيٍّ وغيرِهِ عَلَى وجهِ الإمدادِ منهُ إِشْراكٌ معَ اللَّهِ، إذ لا قادِرَ عَلَى الدَّفْعِ غيرُهُ، ولا خَيْرَ إلَّا خيرُهُ. قالَ: وأمَّا ما قالُوهُ: منْ أنَّ منهم أَبْدالًا ونُقَباءَ، وأوْتادًا ونُجَباءَ، وسبعينَ وسبعةً، وأربعينَ وأربعةً، والقُطْبُ هوَ الغَوْثُ لِلنَّاسِ، فهذا مِنْ مُوضوعاتِ إِفْكِهِم، كمَا ذَكَرَهُ القاضِي المُحَدِّثُ ابنُ العَرِبِيِّ في (سِراجِ المُرِيدِينَ) ، وابنُ الجَوْزِيِّ، وابنُ تَيْمِيَّةَ. انْتَهَى باختصارٍ.
ومثلُ هذا يُوجَدُ في كلامِ غيرِهِم من العُلماءِ، والمقصودُ أنَّ أهلَ العِلْمِ ما زَالُوا يُنْكِرُونَ هذه الأمورَ ويُبَيِّنُونَ أنَّهَا شِرْكٌ، وإنْ كانَ بعضُ المُتَأَخِّرِينَ مِمَّن يَنْتَسِبُ إلى العِلْمِ والدِّينِ مِمَّنْ أُصِيبَ في عقلِهِ ودِينِهِ قدْ يُرَخِّصُ في بعضِ هذه الأمورِ، وهو مُخْطِئٌ في ذلكَ، ضالٌّ مُخالِفٌ لِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماعِ المسلِمِينَ، فكلُّ أحدٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قولِهِ ومَتْرُوكٌ إلَّا قَوْلَ رَبِّنَا وقَوْلَ رَسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ ذَلِكَ لا يَتَطَرَّقُ إليه الخَطَأُ بِحالٍ، بلْ واجِبٌ عَلَى الخَلْقِ اتَّباعُهُ في كلِّ زمانٍ، عَلَى أنَّهُ لوْ أَجْمَعَ المتأخِّرونَ عَلَى جَوَازِ هذا لم يُعْتَدَّ بإجماعِهِم المُخالِفِ لِكَلامِ اللَّهِ وكلامِ رَسولِهِ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لأنَّهُ إِجْماعٌ غيرُ مَعْصُومٍ، بلْ هوَ مِنْ زَلَّةِ العالِمِ الَّتي حُذِّرْنَا مِن اتِّباعِهَا، وأمَّا الإِجْماعُ المَعْصُومُ: فهو إجماعُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وما وافَقَهُ، وهو السَّوادُ الأَعْظَمُ الَّذي وَرَدَ الحَثُّ عَلَى اتِّباعِهِ، وإن لم يَكُنْ عليهِ إلَّا الغُرَباءُ الَّذينَ أَخْبَرَ بِهِم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قولِهِ: (( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا