فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 399

وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ )) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لا ما كانَ عليهِ العَوامُّ والطَّغامُ، والخَلَفُ المُتَأَخِّرونَ الَّذينَ يَقُولونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ويَفْعَلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ.

(2) قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ قِيلَ لي: ولا تَدْعُ، فهو عَطْفٌ عَلَى (أَقِمْ) ، وهذا الأَمْرُ والمُخاطَبةُ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كانَتْ هَكَذا، فأَحْرَى أن يَحْذَرَ مِنْ ذلكَ غَيْرُهُ، وقالَ غيرُهُ: {فَإِنْ فَعَلْتَ} معناه: فإنْ دَعَوْتَ مِنْ دونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ، فَكَنَّى عنه بالفعلِ إِيجازًا: {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} إذًا: جزاءٌ للشَّرطِ، وجَوَابٌ لسؤالٍ مُقَدَّرٍ، كأنَّ سائلًا سَأَلَ عنْ تَبِعَةِ عِبادةِ الأوثانِ، وجُعِلَ مِن الظَّالمينَ؛ لأنَّهُ لا ظُلْمَ أَعْظَمُ مِن الشِّركِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

قُلْتُ: حاصِلُ كلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَّهَ تعالَى نَهَى رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يَدْعُوَ مِنْ دونِهِ ما لا يَنْفَعُهُ ولا يَضُرُّهُ، والمرادُ بهِ كلُّ ما سِوَى اللَّهِ؛ فإنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وسواءٌ في ذلكَ الأنبياءُ والصَّالحونَ وغيرُهُم، كمَا قالَ تعالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجنّ: 18] ، وقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابنِ عَبَّاسٍ: (( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ) )رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وفي الآيةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أنَّ المَدْعُوَّ لا بدَّ أن يَكونَ مالِكًا للنَّفْعِ والضُّرِّ حتَّى يُعْطِيَ مَنْ دَعَاهُ، أوْ يَبْطِشَ بِمَنْ عَصَاهُ، وليسَ ذلكَ إلَّا لِلَّهِ وحدَهُ، فتَعَيَّنَ أن يَكونَ هوَ المَدْعُوَّ دونَ ما سِواهُ، والآيةُ شاملةٌ لِنَوْعَي الدُّعاءِ، وقولُهُ: {فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] أي: المشرِكِينَ، وهذا كقولِهِ: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213] ، وقولِهِ: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] ، وقولِهِ في الأنبياءِ: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كانَوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] . فإذا كانَ هذا الأَمْرُ لا يَصْدُرُ مِن الأنبياءِ - وحاشاهُم مِنْ ذلكَ - لم يَفُكُّوا أنفسَهُم مِنْ عَذابِ اللَّهِ، فما ظَنُّكَ بغيرهِم؟! فلم يَبْقَ شيءٌ يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ويُباعِدُ مِنْ سَخَطِهِ إلَّا توحيدُهُ، والعملُ بما يَرْضَاهُ، لا الاعتمادُ عَلَى شخصٍ، أوْ قبرٍ، أوْ صَنَمٍ، أوْ وَثَنٍ، أوْ غيرِ ذلكَ من الأسبابِ: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنونَ: 117] . والآيةُ نَصٌّ في أنَّ دُعاءَ غيرِ اللَّهِ والاستغاثةَ بهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ، ولهذا قالَ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [الأنعام: 17] ؛ لأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بالمُلْكِ والقَهْرِ، والعَطاءِ والمَنْعِ، ولازِمُ ذلكَ إفرادُهُ بتوحيدِ الإلهيَّةِ؛ لأنَّهُمَا مُتَلازِمانِ، وإِفْرادُهُ بسؤالِ كَشْفِ الضُّرِّ وجَلْبِ الخيرِ؛ لأنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلَّا هُوَ، ولا يَجْلِبُ الخيرَ إلَّا هوَ: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2] . فتَعَيَّنَ أنْ لا يُدْعَى لِذلكَ إلَّا هُوَ، وبَطَلَ دُعاءُ مَنْ سِواهُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ لنفسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَضْلًا عنْ غيرِهِ، وهذا ضِدُّ ما عليهِ عُبَّادُ القبورِ، فإنَّهُم يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأولياءَ والطَّواغيتَ الَّذينَ يُسَمُّونَهُم المَجاذِيبَ يَنْفَعُونَ ويَضُرُّونَ ويَمَسُّونَ بالضُّرِّ ويَكْشِفُونَهُ، وأنَّ لهم التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ في المُلْكِ؛ أيْ: عَلَى سبيلِ الكَرامةِ، وهذا فوقَ شِرْكِ كُفَّارِ العربِ، وإمَّا عَلَى سبيلِ الوَسَاطةِ بينَهُم وبينَ اللَّهِ بالشَّفاعةِ، وهذا شِرْكُ الَّذينَ قالَوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت