فهرس الكتاب
تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 23] فَهَذَا دَعْوَةُ أَوَّلِ رَسُولٍ بَعْدَ حُدُوثِ الشِّرْكِ. وقَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 65] وَقَالَ صَالِحٌ لقومِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 61] وقَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 85] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لقومِهِ: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقَالَ هِرْقَلُ لِأَبِي سُفْيَانَ لَمَّا سَأَلَهُ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما يَقُولُ لَكُمْ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُم. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ: (( إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ). وفي رِوَايَةٍ: (( أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ) ).
وهَذَا التَّوحيدُ هو أوَّلُ واجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ، لَا النَّظَرُ وَلَا القَصْدُ إِلَى النَّظَرِ وَلَا الشَّكُّ في اللَّهِ، كَمَا هي أَقْوالٌ لِمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن مَعَانِي الكِتَابِ والحِكْمَةِ، فهو أَوَّلُ وَاجِبٍ وآخِرُ واجِبٍ، وأوَّلُ ما يُدْخَلُ بهِ الإسلامُ وآخِرُ ما يُخْرَجُ بهِ مِنَ الدُّنيَا، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ ) )حدَيثٌ صَحيحٌ. وقالَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) )مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقدْ أفَّصَحَ القُرْآنُ عن هذا النَّوعِ كُلَّ الإَفِصاحِ وأَبْدَأَ فيهِ وأعَادَ، وضَرَبَ لِذلِكَ الْأَمْثَالَ، بِحَيْثُ إنَّ كلَّ سُورَةٍ في القُرْآنِ فيها الدَّلَالَةُ عَلَى هذا التَّوحيدِ، ويُسَمَّى هذا النَّوعُ تَوحيدَ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إخِلَاصِ التَّأَلُّهِ، وهو أشُدُّ المَحَبَّةِ للَّهِ وحْدَهُ، وذلك يَسْتَلْزِمُ إِخْلَاصَ العِبَادَةِ، وتَوْحيدَ العِبَادَةِ لذلك، وتوحيدَ الإرادةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إرادةِ وجْهِ اللَّهِ بالْأَعْمَالِ. وتَوحيدَ القَصْدِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِخْلَاصِ القَصْدِ المُسْتَلْزِمِ لِإِخْلَاصِ العِبَادَةِ للَّهِ وَحْدَهُ. وتَوحيدَ العَمَلِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إخْلَاصِ العَمَلِ للَّهِ وَحْدَهُ. قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] وقالَ: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [الزمر:12,11] ، وَقَالَ: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّه دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ} إلى قولِهِ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} إلى قولِهِ: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} الآيةَ إلى قولِهِ: {اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانَوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل للَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} . الآيةَ, إلى قولِهِ: {وَأَنِيبُوا إِلَى ربِّكُمْ وَأَسْلِمُوا له مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} إلى قولِهِ: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 15 - 66] إلى آخِرِ السُّورةِ.
فكلُّ هذه السُّورِ في الدُّعاءِ إلى هذا التَّوحيدِ، والأمرِ بهِ، والجوابِ عن الشُّبهاتِ والمُعَارَضَاتِ، وذِكْرِ مَا أعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهِ مِن النَّعيمِ المُقِيمِ، ومَا أعَدَّ لمَنْ خالفَهُ مِن العَذَابِ الأليمِ. وكلُّ سُورةٍ في القُرْآنِ, بلْ كلُّ آيةٍ في