فهرس الكتاب
القُرْآنِ، فهي دَاعِيَةٌ إلى هذا التَّوحيدِ، شَاهِدَةٌ بهِ، مُتَضَمِّنَةٌ له؛ لِأَنَّ القُرْآنَ إمَّا خَبَرٌ عن اللَّهِ تَعَالَى وأَسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ وأَفْعَالِهِ، وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْحيدُ الصِّفاتِ فذاك مُستلزِمٌ لهذا، مُتَضَمِّنٌ له.
وإمَّا دُعاءٌ إلى عِبَادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وخَلْعِ ما يُعبدُ من دونِهِ، أو أمْرٌ بأنواعٍ مِن العِبَادَاتِ، ونَهيٌ عن المخالفاتِ، فهذا هو توحيدُ الإلهيَّةِ والعِبَادَةِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ للنَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، مُتَضَمِّنٌ لهما أيضًا.
وإمَّا خَبَرٌ عن إِكْرَامِهِ لِأَهْلِ توحيدِهِ وطاعتِهِ، وما فَعَلَ بِهِمْ في الدُّنيا، وما يُكْرِمُهُم بهِ في الآخرةِ، فهو جَزَاءُ تَوْحيدِهِ.
وإمَّا خَبَرٌ عن أَهْلِ الشِّرْكِ ومَا فَعَلَ بِهِم في الدُّنيا من النَّكَالِ، وما يُحِلُّ بِهِم في العُقْبَى مِن الوَبَالِ، فهو جَزَاءُ مَنْ خرَجَ عنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ.
وهَذَا التَّوحِيدُ هو حَقِيقَةُ دِينِ الإسْلَامِ الَّذي لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ ) )رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ، فَأَخْبَرَ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى هذه الْأَرْكَانِ الخَمْسَةِ وهي الْأَعْمَالُ، فَدَلَّ عَلَى أنَّ الْإِسْلَامَ هو عِبَادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، بِفِعْلِ الَمأْمُورِ، وَتَرْكِ المَحْظُورِ، والْإِخْلَاصُ في ذلكَ للَّهِ.
وقدْ تَضَمَّنَ ذلكَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ، فَيَجِبُ إِخْلَاصُهَا للَّهِ تَعَالَى، فَمَن أَشْرَكَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وغَيْرِهِِ في شَيْءٍ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ.
فمنها: المَحَبَّةُ، فَمَن أَشْرَكَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وبَيْنَ غَيْرِهِ في المَحَبَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا للَّهِ، فهو مُشْرِكٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} إِلَى قولِهِ تَعَالَى: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 165 - 167] .
ومنها: التَّوكُّلُ، فَلَا يُتَوَكَّلُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ, قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الَمَّائدة: 3] {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون} [المجادلة: 10] والتَّوكُّلُ عَلَى غيرِ اللَّهِ فيما يَقْدِرُ عَلَيْهِ شِرْكٌ أَصْغَرُ.
ومنها: الخَوْفُ، فَلَا يُخَافُ خَوْفَ السِّرِّ إِلَّا مِنْ اللَّهُ. ومَعْنَى خَوْفِ السِّرِّ، هو أَنْ يَخَافَ العَبْدُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ بِمَشِيئتِهِ وقُدْرَتِهِ وإن لم يُبَاشِرْهُ، فهذا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ للنَّفْعِ والضُّرِّ في غَيْرِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [الَمَّائدة: 44] وقالَ تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ له إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107] .
ومنها: الرَّجاءُ فيِما لا يَقْدِرُ عليهِ إِلَّا اللَّهُ كَمَنْ يَدْعُو الْأَمْواتَ أو غَيْرَهُم رَاجِيًا حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِن جِهَتِهِم فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} [البقرة: 218] وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَرْجُوَنَّ عبدٌ إِلَّا رَبَّهِ.