فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 399

توحيدِ الإلهيَّةِ الَّتي وَقَعَ أكثرُ النَّاسِ في الإشراكِ فيها وهم لا يَشْعُرونَ، وبَيَانَ شيءٍ مِمَّا يُضَادُّ ذلكَ مِن أَنْواعِ الشِّركِ، فاكْتَفَى بالتَّلْوِيحِ عن التَّصْرِيحِ. والْأَلِفُ واللَّامُ في التَّوحيدِ للعَهْدِ الذِّهْنِيِّ.

(3) قولُهُ: وقولِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

يَجُوزُ في (( قولِ اللَّهِ ) )الرَّفعُ والجرُّ، وهكذا حكمُ ما يَمُرُّ بكَ مِن هذا البابِ.

قالَ شيخُ الإسلامِ: العِبَادَةُ هي طَاعَةُ اللَّهِ بامْتِثَالِ مَا أَمَرَ بهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ.

وقَالَ أَيْضًا: العِبَادَةُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضَاه، مِن الْأَقْوَالِ، والْأَعْمَالِ البَاطِنَةِ والظَّاهِرَةِ.

قالَ ابنُ القيِّمِ: ومَدارُهَا عَلَى خَمْسَ عَشْرَةَ قَاعِدَةً، مَنْ كَمَّلَهَا كَمَّلَ مَرَاتِبَ العُبُودِيَّةِ، وبَيَانُ ذلكَ أنَّ العِبَادَةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى القَلْبِ، واللِّسَانِ، والجَوَارِحِ. والْأَحْكَامُ الَّتِي للعُبُودِيَّةِ خَمْسةٌ: واجِبٌ، ومُسْتَحَبٌّ، وحَرَامٌ، ومَكْرُوهٌ، ومُبَاحٌ. وهُنَّ لكُلِّ واحدٍ مِن القَلْبِ واللِّسَانِ والجَوَارِحِ. وقَالَ القُرْطُبِيُّ: أَصْلُ العِبَادَةِ: التَّذلُّلُ والخُضُوعُ، وسُمِّيتْ وظَائِفُ الشَّرعِ عَلَى المكلَّفينَ عباداتٍ؛ لأنَّهُم يَلْتَزِمُونَهَا ويَفْعَلُونَهَا خَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ للَّهِ تَعَالَى.

وَقَالَ ابنُ كثيرٍ: العِبَادَةُ في اللُّغَةِ مِن الذِّلَّةِ، يُقالَ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ وغَيْرُ معبَّدٍ، أي: مذَّلَلٌ، وفي الشَّرعِ: عِبَارَةٌ عَمَّا يَجْمَعُ كمَالَ المحبَّةِ والخضوعِ والخوفِ، وهكذا ذَكَرَ غيرُهمُ مِن العُلَمَاءِ.

ومَعْنَى الآيةِ: أنَّ اللَّهَ تعالَى أَخْبَرَ أنَّهُ ما خَلَقَ الْإنسَ والجنَّ إِلَّا لعِبَادَتهِ، فهذا هو الحِكْمَةُ في خَلْقِهم، ولَمْ يُرِدْ منهم مَا تُرِيدُهُ السَّادَةُ مِن عبيدِهَا من الإعانةِ لهم بالرِّزْقِ والإطعامِ، بل هو الرَّازِقُ ذو القَّوةِ المَتينُ، الَّذي يُطْعِمُ ولا يُطعَمُ، كمَا قالَ تَعَالَى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ} [الأنعام: 14] .

وعبادَتُهُ هي طَاعَتُهُ بفعلِ الَمأمورِ، وتَرْكِ المحظورِ، وذلكَ هو حَقِيقَةُ دينِ الإسلامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الإسلامِ هو الاسْتِسْلَامُ للَّهِ المُتَضَمِّنُ غَايَةَ الانْقِيَادِ، في غَايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ. قالَ عليُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في الآيةِ: إِلَّا لِآمُرَهُم أَنْ يَعْبُدُونِي، وأَدْعُوَهُم إلى عِبَادَتِي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا لآمُرَهم وأنْهاهُمْ، واخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ وشيخُ الإسلامِ. قالَ: ويَدُلُّ عَلَى هذا قولُهُ: {أَيَحْسَبُ الإنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] قالَ الشَّافعيُّ: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.

وقولُهُ: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرْقَان: 77] أي: لَوْلَا عِبَادَتُكُمْ إيَّاهُ.

وقد قالَ في القرآنِ في غَيْرِ مَوْضعٍِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} {اتَّقُوا رَبَّكُمْ} فَقَدْ أمَرَهُم بِمَا خُلِقُوا له، وأَرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الجِنِّ والْإِنْسِ بذلك، وهذا المَعْنَى هو الَّذي قُصِدَ بالآيةِ قَطْعًا، وهو الَّذي يفهَمُهُ جَمَاهِيرُ المُسْلِمِينَ، ويَحْتَجُّونَ بالْآيَةِ عَلَيْهِ، ويُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ إنَّما خَلَقَهُم لِيَعْبُدُوه العِبَادَةَ الشَّرْعِيَّةَ وهي طَاعَتُهُ وطَاعَةُ رُسُلِه لَا ليُضَيِّعُوا حَقَّه الَّذي خَلَقُهم له. قالَ: وهذه الآيةُ تُشْبِهُ قولَهُ تَعَالَى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] وقولَهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ثُمَّ قَدْ يُطَاعُ وَقَدْ يُعْصَى. وكَذَلِكَ ما خَلقَهُم إِلَّا للعِبَادَةِ، ثُمَّ قد يَعْبُدُونَ وقَدْ لا يَعْبُدُونَ. وهو سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ فَعَلَ الْأَوَّلَ وهو خَلْقُهُم ليَفْعَلَ بِهِم كُلِّهِم الثَّانيَ وهو عِبَادَتُهُ، ولكنْ ذَكَرَ الْأَوَّلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت