فهرس الكتاب
ليَفْعَلُوا هم الثَّانيَ, فيَكُونُوا هُم الفَاعِلِينَ له، فَيَحْصُلُ لهم بفِعْلِهِ سَعَادَتُهُم، ويَحْصُلُ ما يُحِبُّهِ ويَرْضَاهُ منهم وَلَهُم. انْتَهَى.
والآيةُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ اخْتِصَاصِ الخَالِقِ تَعَالَى بالعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هو ابْتَدَأَكَ بِخَلْقِكَ والْإِنْعَامِ عَلَيْكَ بِقُدْرَتِه ومَشِيئَتِهِ ورَحْمَتِه مِن غَيْرِ سَبَبٍ منكَ أَصْلًا، وَمَا فَعَلَهُ بِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ إِذَا احْتَجْتَ إليه في جَلْبِ رِزْقٍ أو دَفْعِ ضُرٍّ فهو الَّذي يَأْتِي بالرِّزْقِ لَا يَأْتِي بهِ غَيْرُه، وهو الَّذي يَدْفَعُ الضُّرَّ لا يَدْفَعُه غيرُهُ.
كمَا قالَ تعالىَ: {أمَّن هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أمَّن هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 20 - 21] .
وهو سُبْحَانَهُ يُنعِمُ عليكَ، ويُحْسِنُ إليكَ بنفسِهِ، فإنَّ ذلكَ موجَبُ ما تَسَمَّى بهِ، ووصَفَ بهِ نَفْسَهُ، إذ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الودودُ المَجِيدُ، وهو قَادِرٌ بنَفْسِهِ، وقُدْرَتُهُ مِن لَوَازِمِ ذاتِهِ، وكذلِكَ رَحْمَتُهُ وعِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ، لَا يَحْتَاجُ إلى خَلْقِهِ بوجْهٍ مِن الوُجُوهِ، بل هو الغَنِيُّ عن العَالَمِينَ {وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] فالرَّبُّ سُبْحَانَهُ غَنِيُّ بنَفْسِهِ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِن صِفَاتِ الكَمَالِ ثَابِتٌ له بِنَفْسِهِ، وَاجِبٌ له مِن لَوَازِمِ ذاتِهِ، لا يَفْتَقِرُ في شيءٍ مِن ذلك إلى غَيْرِهِ، فَفِعْلُه وإِحْسَانُهُ وجُودُهُ مِن كمَالِهِ، لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لحاجةٍ إلى غَيْرِهِ بَوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، بل كُلُّ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ فإنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وهو سُبْحَانَهُ بَالِغٌ أَمْرَهُ، فَكُلُّ مَا يَطْلُبُه فهو يَبْلُغُه ويَنَالُه ويَصِلُ إليهِ وحْدَهُ وَلَا يُعِينُهُ أَحدٌ، وَلَا يَعُوقُهُ أَحَدٌ، لَا يَحْتَاجُ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِ إِلَى مُعِينٍ، وَمَا لَهُ مِن المَخْلُوقِينَ مِن ظَهِيرٍ، وَلَيْسَ له وَلِيٌّ مِن الذُّلِّ، قَالَه شَيْخُ الْإِسَلَامِ.
(4) قالَ: وقولِهِ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الْطَّاغُوتَ} [النمل: 35] .
قالُوا: الطَّاغُوتُ مُشْتَقٌّ مِن الطُّغْيانِ وهو مُجَاوَزَةُ الحَدِّ. وقد فسَّرَهُ السَّلفُ ببعضِ أَفْرَادِهِ. قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّواغِيتُ: كُهَّانٌ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِم الشَّياطِينُ. رَوَاهُمَا ابنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغُوتُ: الشَّيطَانُ في صُورَةِ الْإِنْسَانِ، يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ وهو صَاحِبُ أَمْرِهِم. وَقَالَ مَالِكٌ: الطَّاغُوتُ: كُّلُّ ما عُبِدَ مِن دونِ اللَّهِ.
قُلْتُ: وهو صَحِيحٌ، لَكِنْ لَابُدَّ فيهِ مِن اسْتِثْنَاءِ مَن لَا يَرْضَى بِعِبَادَتهِ.
وقَالَ ابنُ القَيِّمِ: الطَّاغُوتُ ما تَجَاوَزَ بهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِن مَعْبُودٍ أو مَتْبُوعٍ أو مُطَاعٍ. فَطَاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ مَنْ يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أَوْ يَعْبُدُونَهُ مِن دونِ اللَّهِ، أو يَتْبَعُونَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِن اللَّهِ، أو يُطِيعُونَهُ فيما لَا يَعْلَمُونَ أنَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ. فهذه طَوَاغِيتُ العَالَمِ، إِذَا تَأَمَّلْتَهَا وتَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ النَّاسِ مَعَهَا رَأَيْتَ أَكْثَرَهُم مِمَّن أَعْرَضَ عن عِبَادَةِ اللَّهِ إِلَى عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وعن طاعتِهِ ومُتَابَعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى طاعَةِ الطَّاغُوتِ ومُتَابعتِهِ.
وأمَّا مَعْنَى الآيةِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ في كُلِّ أمَّةٍ، أيْ: في كُلِّ طَائِفَةٍ وقَرْنٍ مِن النَّاسِ رَسُولًا بِهَذَهِ الكَلِمَةِ: أَن اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. أيْ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ واتْرُكُوا