فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 399

عِبَادَةَ ما سِوَاهُ، فَلِهَذَا خُلِقَت الخَلِيقَةُ، وأُرْسِلَتِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، كَمَا قالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36] .

وهذه الآيةُ هي مَعْنَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فإنَّهَا تَضَمَّنَت النَّفْيَ والْإِثْبَاتَ كَمَا تَضَمَّنتْهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفِي قَوْلِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ} الْإِثْبَاتُ، وفي قولِهِ: {اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النَّفْيُ. فَدَلَّتِ الآيةُ عَلَى أنَّهُ لَابُدَّ في الإسلامِ مِن النَّفْيِ والإثباتِ، فَيُثبِتُ العِبَادَةَ للَّهِ وحْدَهُ، ويَنْفِي عِبَادَةَ مَا سِوَاهُ وهو التَّوحيدُ الَّذي تضَمَّنَتهُ سورةُ {قُلْ يَا أَيُّها الكَافِرُون} [الكافرون: 1] وهو مَعْنَى قولِهِ: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن باللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

قَالَ ابنُ القيِّمِ: وَطَرِيقَةُ القُرْآنِ في مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقرِنَ النَّفيَ بالإثباتِ، فيَنْفِيَ عِبَادَةَ ما سِوَى اللَّهِ، ويُثْبِتَ عِبَادَتَهُ، وهذا هو حَقِيقَةُ التَّوحيدِ، والنَّفْيُ المَحْضُ ليسَ بتوحيدٍ، وكذلِكَ الإثباتُ بدونِ النَّفيِ، فَلَا يَكُونُ التَّوحيدُ إِلَّا مُتَضَمِّنًا للنَّفْيِ والإثباتِ، وهذا حَقِيقَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. انْتَهَى.

ويَدْخُلُ في الكُفْرِ بالطَّاغُوتِ بُغْضُهُ وكَرَاهَتُهُ، وعَدَمُ الرِّضَى بِعِبَادَتِهِ بَوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ.

ودَلَّتِ الآيةُ عَلَى أنَّ الحِكْمَةَ في إِرْسَالِ الرُّسُلِ هي عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ وتَرْكُ عِبَادَةِ ما سِوَاه، وَأَنَّ أَصْلَ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وهو الْإِخْلَاصُ في العِبَادَةِ للَّهِ، وإِن اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُم، كَمَا قَالَ تَعَالىَ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [الَمَّائدة: 48] وأنَّهُ لابُدَّ في الإيمانِ مِن العَمَلِ رَدًّا عَلَى المُرْجِئَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت