فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 399

{وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} قالَ ابنُ جَرِيرٍ: يَقولُ: وبوَصيَّةِ اللهِ الَّتي وَصَّاكُم بها فأَوْفُوا وانْقادُوا لذلِكَ، بأن تُطِيعُوهُ فيمَا أَمَرَ بهِ ونَهَاكُم عنه، وتَعْمَلُوا بكِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذلك هو الوَفاءُ بعَهْدِ اللهِ، وكذا قالَ غيرُهُ.

قُلْتُ: وهو حَسَنٌ، ولكنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الآيةَ فيما هو أَخَصُّ، كالبَيْعَةِ والذِّمَّةِ والأمانِ والنَّذْرِ ونحوِ ذلِكَ، وهذه الآيةُ كقولِهِ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النَّحْل: 91] فهذا هو المَقْصُودُ بالآيةِ، وإن كانَت شامِلةً لِمَا قالوا بطريقِ العُمومِ.

{ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يَقُولُ تعالى: هذا وَصَّاكُم وأَمَرَكُم بهِ وأَكَّدَ عليكُم فيه لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ، أي: تَتَّعِظُونَ وتَنْتَهُونَ عَمَّا كُنْتُم فيهِ.

(2) {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} ، قالَ القُرْطُبِيُّ: هذه آيةٌ عظيمةٌ عَطفَهَا اللهُ عَلَى ما تَقَدَّمَ، فإنَّهُ لَمَّا نَهَى وأَمَرَ حَذَّرَ عن اتِّباعِ غيرِ سبيلِهِ وأَمَرَ فيها باتِّباعِ طريقِهِ عَلَى ما بيَّنَتْهُ الأحاديثُ الصَّحيحةُ وأقاوِيلُ السَّلَفِ. (( وأنَّ ) )في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أي: واتْلُ أنَّ هذا صِراطِي عن الفَرَّاءِ والكِسائِيِّ. قالَ الفَرَّاءُ: ويَجُوزُ أن يَكونَ خَفْضًا، أي: وَصَّاكُم بهِ، وبأنَّ هذا صِراطِي. قالَ: والصِّرَاطُ الطَّريقُ الَّذي هو دِينُ الإسلامِ. (( مُسْتَقِيمًا ) )نُصِبَ عَلَى الحالِ، ومَعْناه: مُسْتَوِيًا قَوِيمًا لا اعْوِجاجَ فيهِ، فأَمَرَ باتِّباعِ طَرِيقِه الَّذي طَرَقَهُ عَلَى لِسانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشَرَعَهُ، ونِهايتُهُ الجَنَّةُ، وتَشَعَّبَتْ منه طُرُقٌ، فَمَنْ سَلَكَ الجادَّةَ نَجَا، ومَنْ خَرَجَ إلى تلكَ الطُّرقِ أَفْضَتْ بهِ إلى النَّارِ. قالَ اللهُ تعالىَ: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] أي: تَمِيلَ. انْتَهَى.

ورَوَى أَحْمَدُ والنَّسائِيُّ، والدَّارَمِيُّ، وابنُ أَبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عن ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَطَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بيدِهِ، ثُمَّ قالَ: (( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا ) )ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عن يَمِينِ ذلكَ الخَطِّ وعن شِمالِه، ثُمَّ قالَ: (( وَهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ) )، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} .

وعن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ مَرْفُوعًا قالَ: (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وعلى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وعَلَى الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا ولا تَعْوَجُّوا، ودَاعٍ يَدْعُو مِن جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: لا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ.

فَالصِّرَاطُ: الْإِسْلامُ، والسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، والْأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، والدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ: واعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ )) رَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ جَرِيرٍ وابنُ أَبِي حاتمٍ.

وعن مُجاهِدٍ في قولِهِ: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153] قالَ: البِدَعُ والشُّبُهَاتُ. رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ، وابنُ أَبِي حاتمٍ. وهذه السُّبُلُ تَعُمُّ اليهوديَّةَ، والنَّصرانيَّةَ، والمَجُوسيَّةَ، وعُبَّادَ القُبورِ، وسائرَ أهلِ المِلَلِ والأَوْثانِ، والبِدَعِ والضَّلالاتِ من أهلِ الشُّذوذِ والأهواءِ، والتَّعمُّقِ في الجَدَلِ، والخَوْضِ في الكلامِ، فاتِّباعُ هذه مِن اتِّباعِ السُّبُلِ الَّتي تَذْهَبُ بالإنسانِ عن الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ إلى مَوَافقةِ أصحابِ الجَحِيمِ، كمَا قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )وفي رِوايةٍ: (( كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) )حديثٌ صحيحٌ.

قالَ ابنُ مَسْعُودٍ: تَعَلَّمُوا العِلْمَ قبلَ أن يُقْبَضَ، وقَبْضُهُ ذَهابُ أَهْلِه، أَلا وإيَّاكُمْ والتَّنَطُّعَ وَالتَّعَمُّقَ والبِدَعَ، وعليكُمْ بالعَتِيقِ. رَواهُ الدَّارِمِيُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت