فهرس الكتاب
قُلْتُ: هذا غيرُ صحيحٍ، والصَّوَابُ أنَّ (( لَعَلَّ ) )هنا للتَّعليلِ، أيْ: أنَّ اللهَ وَصَّانا بهِذه الوَصَايا لِنَعْقِلَها عنه، ونَعْمَلَ بِها، كمَا قالَ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [الْبَيِّنَة: 5] وفي تفسيرِ الطَّبَرِيِّ الحَنَفِيِّ: ذَكَر أَوَّلًا (تَعْقِلُونَ) ثُمَّ (تَذَكَّرُونَ) ثُمَّ (تَتَّقُونَ) ؛ لأنَّهُم إذا عَقَلُوا تَذَكَّرُوا، فإذا تَذَكَّرُوا خافُوا واتَّقَوُا المَهالِكَ.
{وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: هذا نَهْيٌ عن القُرْبِ الَّذي يَعُمُّ وجوهَ التَّصَرُّفِ، وفيه سَدُّ الذَّرِيعةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى ما يَحْسُنُ وهو التَّشْمِيرُ والسَّعْيُ في نَمائِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) التِّجارةُ فيه، فمَن كانَ مِن النَّاظِرِينَ له مالٌ يَعِيشُ بهِ، فالأَحْسَنُ إذا ثمَّرَ مالَ اليَتِيمِ أن لا يَأْخُذَ مِنه نَفَقَةً ولا أُجْرَةً ولا غيرَهُمَا، ومَن كانَ مِن النَّاظِرِينَ لا مالَ له، ولا يتَّفِقُ له نَظَرٌ إلَّا بأن يُنفِقَ عَلَى نفسِهِ مِن رِبْحِ نظرِهِ، وإلَّا دَعَت الضَّرُورةُ إلى تَرْكِ مالِ اليَتِيمِ دونَ نظرٍ، فالأَحْسَنُ أن يَنْظُرَ ويَأْكُلَ بالمعْرُوفِ. قاله ابنُ زَيْدٍ.
وقولُهُ: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قالَ مالِكٌ وغيرُهُ: هو الرُّشْدُ وزَوالُ السَّفَهِ معَ البُلوغِ. قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وهو أَصَحُّ الأقوالِ وأَلْيَقُهَا بهِذا الموضعِ. قلْتُ: وقد رُوِيَ نحوُهُ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، والشَّعْبِيِّ، ورَبِيعَةَ، وغيرِهِم، ويَدُلُّ عليهِ قولُهُ تعالىَ: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النِّساء: 6] فاشْتَرَطَ تعالىَ للدَّفْعِ إِليهم ثلاثةَ شروطٍ:
الأوَّلُ: ابْتِلاؤُهُم، وهو اخْتِبارُهُم وامْتِحانُهم بما يَظْهَرُ بهِ مَعْرفتُهُم لمصالحِ أنفسِهِم وتدبيرِ أموالِهم.
والثَّاني: البُلُوغُ.
والثَّالثُ: الرُّشْدُ.
{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالقِسْطِ} قالَ ابنُ كَثِيرٍ: يَأْمُرُ تَعَالَى بإقامةِ العَدْلِ في الأَخْذِ والإِعْطاءِ، كمَا تَوَعَّدَ عليه في قولِهِ: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المُطَفِّفِين: 1، 7] وقد أَهْلَكَ اللهُ أُمَّةً مِن الأُمَمِ كانَوا يَبْخَسُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ. وقالَ غيرُهُ: القِسْطُ: العَدْلُ. وقد رَوَى التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابِ الكَيْلِ والميزانِ: (( إِنَّكُمْ وُلِّيتُمْ أَمْرًا هَلَكَتْ فِيهِ الأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبْلَكُمْ ) )ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا بإسنادٍ صحيحٍ.
{لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} قالَ ابنُ كَثِيرٍ: أي: مَن اجْتَهَدَ في أداءِ الحقِّ وأَخْذِهِ، فإنْ أَخْطَأَ بعدَ اسْتِفْراغِ وُسْعِهِ وبَذْلِ جَهْدِهِ، فلا حَرَجَ عليهِ.
وقد رَوَى ابنُ مَرْدُويَه عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ مَرْفُوعًا: (( أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) )قالَ: مَن أَوْفَى عَلَى يَدِهِ فِي الكَيْلِ والميزانِ - واللهُ يَعْلَمُ صِحَّةَ نِيَّتِه بالوَفاءِ فِيهِما - لم يُؤَاخَذْ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ: وُسْعَها. قالَ: هذا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ.
قُلْتُ: وفيهِ رَدٌّ عَلَى القائِلِينَ بِجَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطَاقُ.
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى} هذا أَمْرٌ بالعَدْلِ في القَوْلِ والفِعْلِ عَلَى القَرِيبِ والبَعِيدِ. قالَ الحَنَفِيُّ: العَدْلُ في القولِ في حقِّ الوَلِيِّ والعَدُوِّ، لا يَتَغَيَّرُ بالرِّضَى والغضبِ، بل يكونُ عَلَى الحقِّ والصِّدقِ، وإنْ كانَ ذا قُرْبَى فلا يَمِيلُ إلى الحَبِيبِ، ولا إلى القريبِ {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [الْمَائدة: 8] .