فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 399

(( الشِّرْكِ ) )يَدُلُّ عَلَى أنَّ المشرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ، ولَكِن يُشْرِكُون بِهِ غَيرَهُ مِن الأَوْثَانِ والصَّالِحِين والأَصْنَامِ فكانَت الدَّعْوَةُ وَاقِعَةً عَلَى تَرْكِ عِبادةِ ما سِوَى اللهِ، وإِفْرادِ اللهِ بِالعِبادةِ. وكانَت (( لا إلهَ إلَّا اللهُ ) )مُتَضَمِّنةً لهذا المعْنى، فدَعَاهم النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الإِقْرارِ بهِا نُطْقًا وعَمَلًا واعْتِقادًا، ولهذا إذا سُئِلُوا عَمَّا يُقولُ لهم، قالُوا: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا واتْرُكُوا ما يَقُولُ آباؤُكم، كمَا قالَه أَبُو سُفْيانَ.

وقولُهُ: {وَبِالوَالِدَينِ إِحْسَانًا} قالَ القُرْطُبِيُّ: الإحسانُ إلى الوالدينِ بِرُّهمُا وحِفْظُهُما وصِيانتُهُمَا، وامْتِثالُ أَمْرِهمِا، وإِزِالةُ الرِّقِّ عَنْهُمَا، وتَرْكُ السَّلْطَنةِ عليهِمَا، و {إِحْسَانًا} نُصِبَ عَلَى المَصْدَريَّةِ، وناصِبُهُ فِعْلُ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ: تقديرُهُ: وأَحْسِنُوا بِالوالدينِ إِحْسانًا.

وقولُهُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 150] الإِمْلاقُ، الفَقْرُ، أَي: لا تَئِدُوا بَناتِكُم خَشْيةَ العَيْلةِ والفَقْرِ، فإنِّي رازِقُكُم وإيَّاهُم، وكانَ منهم مَن يفعلُ ذلكَ بالإناثِ والذُّكورِ خَشْيةَ الفَقْرِ, ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ.

وفي (( الصَّحيحين ) )عن ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) ). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: (( أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ) )قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (( أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ) )ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفُرْقَان: 68] .

{وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: نَهْيٌ عامٌّ عن جميعِ أَنْواعِ الفَوَاحشِ، وهي المَعاصِي، و (ظَهَرَ وَبَطَنَ) : حالتان تَسْتَوْفِيانِ أَقْسامَ ما جُعِلَتْ له مِن الأشياءِ، وفي التَّفسيرِ المَنْسوبِ إلى أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ مِن الحَنَفِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ عظيمٌ {وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} أي: القَبائِحَ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، أنَّ مِن الكُفَّارِ مَن كانَ لا يَرَى بالزِّنَا بَأْسًا إذا كانَ سِرًّا، وقِيلَ: الظَّاهرُ ما بينَك وبينَ الخَلْقِ، والباطنُ ما بينَكَ وبينَ اللهِ. انْتَهَى.

وفي (( الصَّحيحين ) )عن ابنِ مَسْعُودٍ مَرْفوعًا: (( لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِن اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ ) ).

{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ} قالَ ابنُ كَثِيرٍ: هذا مِمَّا نَصَّ تعالىَ عَلَى النَّهْيِ عنه تَأْكيدًا، وإلا فهو داخِلٌ في النَّهيِ عن الفَوَاحشِ.

وفي (( الصَّحيحين ) )عن ابن مَسْعُودٍ مَرْفوعًا (( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلجَماعَةِ ) ).

وعن ابنِ عُمَرَ مرفوعًا: (( مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَرُحْ رَائِحَةَ الجَنَّةَ، وَإِنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) )رَوَاهُ البُخارِيُّ.

{ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . قالَ ابنْ عَطِيَّةَ: ذلكم إشارةٌ إلى هذه المُحَرَّماتِ، والوَصِيَّةُ الأَمْرُ المُؤَكَّدُ المُقَرَّرُ. وقولُهُ: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تَرَجٍّ بالإضافةِ إلينا، أي: مَنْ سَمِعَ هذه الوصيَّةَ يُرْجَى وُقوعُ أَثَرِ العَقْلِ بعدَهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت