فهرس الكتاب
وقالَ شيخُ الإسلامِ: كَوْنُ المُطِيعِ يَسْتَحِقُّ الجزاءَ، هو اسْتِحْقاقُ إِنْعامٍ وفَضْلٍ، ليس هو استحقاقَ مُقابَلةٍ كمَا يَسْتَحِقُّ المَخْلوقُ عَلَى المخلوقِ، فمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: لا معنىَ للاستحقاقِ إلَّا أنَّهُ أَخْبَرَ بذلِكَ، ووَعْدُهُ صِدْقٌ، ولكنَّ أَكْثرَ النَّاسِ يُثْبِتُون اسْتِحْقاقًا زائدًا عَلَى هذا كمَا, دَلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ. قالَ تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} [الرُّوم:48] .
ولكنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقولُونَ: هو الَّذي كَتَبَ عَلَى نفسِهِ الرَّحمةَ، وأَوْجَبَ هذا الحقَّ عَلَى نفسِهِ، لم يُوجِبْهُ عليهِ مخلوقٌ، والمُعْتَزِلةُ يَدَّعُونَ أنَّهُ وَاجِبٌ عليهِ بالقِياسِ عَلَى الخَلْقِ، وأنَّ العِبادَ هم الَّذينَ أَطَاعُوه بدونِ أن يَجْعَلَهم مُطِيعِينَ له، وأنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ الجزاءَ بدونِ أن يَكونَ هو المُوجِبَ، وغَلِطُوا في ذَلِكَ، وهذا البابُ غَلِطَت فيهِ القَدَرِيَّةُ والجَبْرِيَّةُ أَتْباعُ جَهْمٍ والقَدَرِيَّةُ النَّافِيةُ.
قولُهُ: (فَقُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ) . فيه حُسْنُ أَدَبِ المُتَعَلِّمِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أنْ يَقُولَ ذلكَ بخِلافِ أكثرِ المُتَكَلِّفِينَ.
قولُهُ: (أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بهِ شَيْئًا) أي: يُوَحِّدُوهُ بالعِبادةِ وَحْدَهُ ولا يُشْرِكُوا بهِ شيئًا. وفائدةُ هذه الجملةِ بَيانُ أنَّ التَّجرُّدِ مِن الشِّركِ لابدَّ منه في العِبادةِ، وإلَّا فلا يكونُ العبدُ آتِيًا بعبادةِ اللهِ بل مُشْرِكٌ، وهذا هو معنى قولِ المُصَنِّفِ: إنَّ العبادةَ هي التَّوحيدُ، لأنَّ الخُصومةَ فيهِ، وفيهِ معرفةُ حقِّ اللهِ عَلَى العبادِ، وهو عبادتُهُ وحدَهُ لا شريكَ له.
فيا مَنْ حَقُّ سيِّدِهِ الإقبالُ عليهِ، والتَّوجُّهُ بقلبهِ إليهِ، لقد صَانَكَ وشَرَّفَكَ عن إِذْلالِ قلبِكَ ووجهِكَ لغيرِهِ، فما هذه الإِسَاءةُ القَبِيحةُ في مُعاملتِهِ مع هذا التَّشْرِيفِ والصِّيانَةِ! فهو يُعَظِّمُكَ ويَدْعُوكَ إلى الإقبالِ وأنتَ تَأْبَى إلَّا مُبارَزَتَهُ بقَبائحِ الأفعالِ.
في بعضِ الآثارِ الإلهيَّةِ: إِنِّي والجِنَّ والْإِنْسَ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ، أَخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأَرْزُقُ ويُشْكَرُ سِوَاي، خَيْرِي إِلَى الْعِبادِ نَازِلٌ، وشَرُّهُمْ إِلَيَّ صَاعِدٌ، أَتَحَبَّبُ إليهم بالنِّعَمِ، ويَتَبَغَّضُونَ إِلَيَّ بالمَعاصِي. وكيفَ يَعْبُدُهُ حقَّ عِبادتِهِ مَن صَرَفَ سؤالَه ودُعاءَهُ وتَذَلُّلَه واضْطِرارَهُ وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ وتَوَكُّلَه وإِنابتَهُ وذَبْحَهُ ونَذْرَهُ لمَنْ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، ولا موتًا ولا حَياةً ولا نُشورًا، مِن مَيِّتٍ رَمِيمٍ في التُّرابِ، أو بِناءٍ مَشِيدٍ مِن القِبابِ، فَضْلًا مِمَّا هو شرٌّ مِن ذلك.
قولُهُ: (وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) قَالَ الخَلْخَالِيُّ: تَقْديرُهُ: أنْ لا يُعَذِّبَ مَن يَعْبُدُهُ ولا يُشْرِكُ بهِ شَيْئًا. والعبادةُ هي الإِتْيانُ بالأوامرِ، والانْتِهاءُ عن المَنَاهِي، لأنَّ مجرَّدَ عَدِمِ الإِشْراكِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ العَذَابِ، وقد عُلِمَ ذلك مِن القُرْآنِ والأَحادِيثِ الوَارِدةِ في تَهْدِيدِ الظَّالِمِينَ والعُصاةِ.
وقالَ الحافِظُ: اقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الإشراكِ، لأنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّوحيدَ بالاقْتِضاءِ، ويَسْتَدْعِي إثباتَ الرِّسالةِ باللُّزُومِ؛ إذ مَن كَذَّبَ رَسولَ اللهِ، فقد كَذَّبَ اللهَ، ومَن كذَّبَ اللهَ، فهو مُشْرِكٌ، وهو مِثْلُ قولِ القائلِ: مَن تَوَضَّأَ صَحَّت صَلاتُهُ، أي: مع سائرِ الشُّروطِ، فالمرادُ مَنْ ماتَ حالَ كونِهِ مُؤْمِنًا بجميعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بهِ.
قُلْتُ: وسيَأْتِي تقريرُ هذا في البابِ الَّذي بعدَهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
قولُهُ: (أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ) فيه اسْتِحْبابُ بِشارةِ المسلمِ بمَا يَسُرُّهُ. وفيه ما كانَ عليه الصَّحابةُ مِن الاسْتِبْشارِ، بمثلِ هذا، نَبَّهَ عليه المُصَنِّفُ.
قولُهُ: (قالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا) وفي رِوايةٍ: (( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا ) )، أي: يَعْتَمِدُوا عَلَى ذلِكَ، فيَتْرُكُوا التَّنافُسَ في الأعمالِ الصَّالحةِ. وفي رِوايةٍ: فَأَخْبَرَ بهِا مُعاذٌ عندَ موتِهِ تَأَثُّمًا، أي: تَحَرُّجًا مِن الإِثْمِ.