فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 399

قالَ الوَزِيرُ أَبُو المُظَفَّرِ: لم يَكُنْ يَكْتُمُهَا إلَّا عن جاهِلٍ يَحْمِلُه جَهْلُه عَلَى سُوءِ الأَدَبِ بتَرْكِ الخِدْمةِ في الطَّاعةِ، فأمَّا الأَكْياسُ الَّذينَ إذا سَمِعُوا بمثلِ هذا ازْدادُوا في الطَّاعةِ، ورَأَوْا أَنَّ زِيادةَ النِّعَمِ تَسْتَدْعِي زِيادةَ الطَّاعةِ فلا وَجْهَ لِكِتْمانِها عَنْهُم.

وقالَ الحافظُ: دَلَّ هذا عَلَى أنَّ النَّهْيَ للتَّبْشِيرِ ليسَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وإلَّا لَمَا أَخْبَرَ بهِ أَصْلًا، أو أنَّهُ ظَهَرَ له أنَّ المَنْعَ إنَّما هو مِن الإِخْبارِ عُمومًا، فَبَادَرَ قبلَ مَوْتهِ فأَخْبَرَ بهِا خَاصًّا مِن النَّاسِ.

وفي البابِ مِن الفوائدِ غيرُ ما تَقَدَّمَ: التَّنبِيهُ عَلَى عَظَمةِ حقِّ الوالدينِ، وتَحْرِيمِ عُقوقِهِمَا، والحَثُّ عَلَى إخلاصِ العبادةِ للهِ تَعالى، وأنَّهَا لا تَنْفَعُ معَ الشِّركِ، بل لا تُسَمَّى عِبادةً شَرْعًا، والتَّنبيهُ عَلَى عَظمةِ الآياتِ المُحْكَمَاتِ في سُورةِ الأنعامِ، ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ. وجَوازُ كِتْمانِ العِلْمِ لِلمَصْلَحةِ، ولا سِيَّمَا أحاديثُ الرَّجاءِ الَّتي إذا سَمِعَها الجُهَّالُ ازْدادُوا مِن الآثامِ.

كمَا قالَ بعضُهُم:

فَأَكْثِرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِن الخَطَايَا ... إِذَا كَانَ الْقُدُومُ عَلَى كَرِيمِ

وتَخْصِيصُ بعضِ النَّاسِ بالعلمِ دونَ بعضٍ، وفضيلةُ مُعاذٍ، ومَنْزِلَتُهُ مِن العلمِ، لكونِهِ خُصَّ بما ذُكِرَ، واسْتِئْذَانُ المُتَعَلِّمِ في إِشَاعةِ ما خُصَّ بهِ مِن العلمِ، والخوفُ مِن الاتِّكالِ عَلَى سَعَةِ رَحْمةِ اللهِ؛ وأنَّ الصَّحابةَ لا يَعْرِفُونَ مثلَ هذا إلَّا بتعليمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.

قولُهُ: (أَخْرَجَاهُ في الصَّحيحين) أي: أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في (( صَحِيحَيهِما ) )وإنَّما أَضْمَرَهُمَا لِلعلمِ بهِما.

والبُخارِيُّ هو الإمامُ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ الجُعْفِيُّ مَوْلاهُم، الحافِظُ الكَبِيرُ صاحبُ (( الصَّحيحِ ) )و (( التَّاريخِ ) )و (( الأَدَبِ المُفْرَدِ ) )وغيرِ ذلك من مصَّنفاتِهِ.

رَوَى عن الإمامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلَ والحُمَيْدِيِّ وابنِ المَدِينِيِّ وطَبَقَتِهِم.

ورَوَى عنه مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والفَرَبْرِيُّ رَاوِي (( الصَّحِيحِ ) )وغيرُهُم. وُلِدَ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومائةٍ، وماتَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومائتينِ.

ومُسْلِمٌ هو ابنُ الحَجَّاجِ بنِ مُسْلِمٍ أَبُو الحُسَيْنِ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ صاحِبُ (( الصحيحِ ) )و (( العِلَلِ ) )و (( الوُحْدَانِ ) )وغيرِ ذلكَ.

رَوَى عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، ويَحْيَى بنِ مَعِينٍ وأَبِي خَيْثَمَةَ، وابنِ أبي شَيْبَةَ، وطَبَقَتِهِم.

رَوَى عنه التِّرْمِذِيُّ، وإبراهيمُ بنُ محَّمدِ بنِ سُفْيانَ رَاوِي (( الصَّحيحِ ) )وغيرُهُما. وُلِدَ سنةَ أربعٍ ومِائَتَيْنِ، وماتَ سنةَ إحدى وسِتِّينَ ومِائَتَينِ بنَيْسَابُورَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت