فهرس الكتاب
فتَضَمَّنَتْ هذه الكلِمَةُ العظيمَةُ أنَّ ما سِوَى اللهِ ليسَ بإلهٍ، وأنَّ إلَهِيَّةَ ما سِوَاه أَبْطَلُ الباطِلِ، وإثباتَها أظلَمُ الظُّلْمِ، فلا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ سِوَاهُ، كمَا لا تَصْلُحُ الإلَهِيَّةُ لغيرِهِ، فتَضَمَّنتْ نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عمَّا سِوَاهُ، وإثباتَهَا له وحدَهُ لا شريكَ له, وذلك يَسْتَلْزِمُ الأمرَ باتِّخَاذِهِ إلهًا وَحْدَهُ، والنَّهيَ عن اتِّخَاذِ غيرِهِ معَهُ إلَهًا وهذا يَفْهَمُهُ المُخَاطَبُ من هذا النَّفيِ والإِثْبَاتِ، كمَا إذا رأيتَ رَجُلًا يَسْتَفْتِي أو يَسْتَشْهِدُ مَن ليسَ أهلًا لذلك، ويَدَعُ مَن هو أهلًا له، فتقولُ: هذا ليسَ بِمُفْتٍ ولا شاهِدٍ، المُفتي فلانٌ، والشَّاهِدُ فلانٌ، فإنَّ هذا أمرٌ مِنه ونَهْيٌ، وقد دَخَلَ في الإلَهِيَّةِ جميعُ أنواعِ العِبَادَةِ الصَّادِرَةِ عن تَأَلُّهِ القَلْبِ للهِ بالحُبِّ والخُضُوعِ والانْقِيادِ له وحدَهُ لا شريكَ له، فيَجِبُ إفرادُ اللهِ تعالى بِهَا، كالدُّعَاءِ والخَوْفِ والمَحَبَّةِ، والتَّوَكُّلِ والإِنَابَةِ، والتَّوبَةِ، والذَّبْحِ، والنَّذْرِ، والسُّجُودِ، وجميعِ أنواعِ العِبَادَةِ فيَجِبُ صَرْفُ جميعِ ذلك للهِ وحدَهُ لا شريكَ له، فمَن صَرَفَ شيئًا ممَّا لا يَصْلُحُ إلا للهِ مِن العِبَادَاتِ لغيرِ اللهِ، فهو مُشْرِكٌ ولو نَطَقَ بـ لا إلهَ إلا اللهُ، إذْ لم يَعْمَلْ بما تَقْتَضِيهِ من التَّوحِيدِ والإخلاصِ.
ذِكْرُ نُصُوصِ العُلماءِ في معنَى الإلهِ.
قالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ: اللهُ ذو الأُلُوهِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أجمعين. رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ وابنُ أبي حَاتِمٍ.
وقالَ الوَزِيرُ أبو المُظَفَّرِ في (( الإفصاحِ ) ): قولُهُ: (شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ) يَقْتَضِي أن يكونَ الشَّاهدُ عالِمًا بأنْ: لا إلهَ إلا اللهُ، كمَا قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَاعْلَمْ أنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [مُحَمَّد: 19] ويَنْبَغِي أن يكونَ النَّاطِقُ بِهَا شاهدًا فيها، فقدْ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ ما أَوْضَحَ بهِ أنَّ الشَّاهدَ بالحقِّ إذا لمْ يكُنْ عالِمًا بما شَهِدَ بهِ، فإنَّهُ غيرُ بالِغٍ من الصِّدْقِ بهِ معَ مَن شَهِدَ مِن ذلكَ بما يعلَمُه في قولِهِ تعالَى: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون} [الزُّخْرُف: 86] قالَ: واسمُ اللهِ تعالى مُرْتَفِعٌ بَعْدَ (( إلَّا ) )من حيثُ إنَّهُ الواجِبُ له الإلَهِيَّةُ. فلا يَسْتَحِقُّهَا غيرُهُ سُبْحَانَهُ. قالَ: واقتضَى الإقْرَارُ بِهَا أن تَعْلَمَ أنَّ كلَّ ما فيهِ أمَارَةٌ للحَدَثِ؛ فإنَّهُ لا يكونُ إلهًا، فإذا قلْتَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فقدِ اشْتَمَلَ نطقُكَ هذا عَلَى أنَّ ما سِوَى اللهِ ليسَ بإلهٍ، فيلزمُكَ إفرادُهُ سبحانَهُ بذلك وحدَهُ.
قالَ: وجُمْلَةُ الفائِدَةِ في ذلِكَ أن تَعْلَمَ أنَّ هذه الكَلِمَةَ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الكُفْرِ بالطَّاغوتِ والإيمانِ باللهِ؛ فإنَّكَ لَمَّا نَفَيْتَ الإِلَهِيَّةَ وأَثْبَتَّ الإيجَابَ للهِ سبحانَهُ، كنْتَ مِمَّن كَفَرَ بالطَّاغُوتِ وآمَنَ باللهِ.
وقالَ أبو عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيُّ في التَّفْسِيرِ: {لا إلهَ إِلَّا هو} أي: لا مَعْبُودَ إلا هو.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإلَهُ من أسماءِ الأجْنَاسِ - كالرَّجُلِ والفَرَسِ - اسمٌ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ بحقٍّ أو بباطِلٍ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلَى المَعْبُودِ بحقٍّ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ: الإلهُ هو المعبودُ المُطَاعُ. وقالَ أيضًا: في (لا إلهَ إلا اللهُ) إثباتُ انفرادِهِ بالإلهيَّةِ، والإلهيَّةُ تَتَضَمَّنُ كمَالَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ، ففيها إثباتُ إحسانِهِ إلى العِبَادِ. فإنَّ الإلهَ هو المأْلُوهُ، والمألُوهُ هو الَّذي يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَدَ، وكونُهُ يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَدَ هو بما اتَّصفَ بهِ مِن الصفاتِ التيَّ تَسْتَلْزِمُ أن يكونَ هو المَحْبُوبَ غايةَ الحُبِّ، المَخْضُوعَ له غَايَةَ الخُضُوعِ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: الإلهُ هو الَّذي تُؤَلِّهُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وإِجْلالًا وإِنَابَةً وإِكْرَامًا وتَعْظِيمًا وذُلًّا وخُضُوعًا وخَوْفًا ورَجَاءً وتَوَكُّلًا.
وقالَ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: الإلهُ هو الَّذي يُطَاعُ فلا يُعْصَى؛ هَيْبَةً له وإِجْلَالًا ومَحَبَّةً وخَوْفًا ورجاءً وتَوَكُّلًا عليهِ وسُؤَالًا منه ودُعَاءً له، ولا يَصْلُحُ ذلك كُلُّه إلا للهِ عزَّ وجلَّ، فمَن أَشْرَكَ مَخْلُوقًا في شَيءٍ من هذه الأمورِ الَّتي هي من خَصَائِصِ الإِلَهِيَّةِ كانَ ذلك قَدْحًا في إِخْلَاصِهِ في قَوْلِ: لا إلهَ إلا اللهُ، ونَقْصًا في تَوْحِيدِهِ، وكانَ فيهِ من عُبُودِيَّةِ المَخْلُوقِ بحَسَبِ ما فيهِ من ذلِكَ، وهذا كُلُّه من فُرُوعِ الشِّركِ.