فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 399

وقالَ البِقَاعِيُّ: لا إِلهَ إلا اللهُ، أي: انْتَفَى انْتِفَاءً عَظِيمًا أن يكونَ مَعْبودٌ بحقٍّ غيرَ المَلِكِ الأَعْظَمِ؛ فإنَّ هذا العِلْمَ هو أعْظَمُ االذِّكرى المُنْجِيَةِ من أهْوَالِ السَّاعَةِ، وإنَّما يكونُ عِلْمًا إذا كانَ نافِعًا، وإنَّما يكونُ نافِعًا إذا كانَ الإذْعَانُ والعَمَلُ بما تَقْتَضِيهِ، وإلا فهو جَهْلٌ صِرْفٌ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: الإلهُ فِعَالٌ بمعنى مَفْعولٍ، كالكتابِ بمعنى المكتوبِ، مِن أَلِهَ إِلَهَةً، أي: عَبَدَ عِبَادَةً.

وهذا كثيرٌ جدًّا في كلامِ العُلَمَاءِ، وهو إِجْمَاعٌ منهم أنَّ الإلهَ هو المعبودُ، خِلَافًا لِما يَعْتَقِدُهُ عُبَّادُ القُبُورِ وأشْبَاهُهُم في مَعْنَى الإلَهِ أنَّهُ الخالِقُ أو القادِرُ عَلَى الاخْتِرَاعِ أو نحوَ هذه العِبَارَاتِ، ويَظُنُّونَ أنَّهُم إذا قالُوهَا بهذا المعنى، فقد أتَوْا من التَّوحِيدِ بالغَايَةِ القُصْوَى، ولو فعلُوا ما فَعَلُوا من عِبَادَةِ غيرِ اللهِ، كدُعَاءِ الأَمْوَاتِ، والاسْتِغَاثَةِ بهِم في الكُرُبَاتِ، وسُؤَالِهِم قَضَاءَ الحاجَاتِ، والنَّذْرِ لهم في المُلِمَّاتِ، وسؤالِهِم الشَّفَاعَةَ عندَ ربِّ الأرْضِ والسَّمَاواتِ، إلى غيرِ ذلك مِن أنواعِ العباداتِ، وما شَعَرُوا أنَّ إخوانَهم من كفَّارِ العَرَبِ يُشَارِكُونَهُمْ في هذا الإِقْرَارِ، ويَعْرِفونَ أنَّ اللهَ هو الخالِقُ القادِرُ عَلَى الاخْتِرَاعِ، ويَعْبُدُونَهُ بأنْوَاعٍ من العِبَادَاتِ، فَلْيَهْنِ أبو جَهْلٍ وأبو لَهَبٍ ومَن تَبِعَهُما بحُكْمِ عُبَّادِ القُبُورِ، وَلْيَهْنِ أيضًا إِخوانُهُم عُبَّادُ وَدٍّ وسُوَاعٍ وَيغُوثَ ويَعُوقَ ونسرٍ؛ إذ جَعَلَ هؤلاءِ دينَهُم هو الإسلامَ المبرورَ.

ولو كانَ معناها ما زَعَمَهُ هؤلاء الجُهَّالُ، لم يَكُنْ بينَ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبينَهم نِزَاعٌ، بل كانُوا يُبَادِرونَ إلى إِجَابَتِهِ، ويُلَبُّونَ دَعْوَتَهُ، إذ يقولُ لهم: قولُوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، بمعنى: أنَّهُ لا قادِرَ عَلَى الاخْتِرَاعِ إلا اللهُ. فكانوا يقولونَ: سَمِعْنَا وأطَعْنَا. قالَ اللهُ تعالىَ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزُّخْرُف: 87] {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ} [يُونُس: 31] الآيةَ، إلى غيرِ ذلكَ من الآياتِ.

لكنَّ القومَ أهلُ اللسانِ العربيِّ، فعلِمُوا أنَّهَا تَهْدِمُ عليهم دُعَاءَ الأَمْوَاتِ والأصنامِ من الأَسَاسِ، وتَكُبُّ بناءَ سُؤَالِ الشَّفَاعَةِ من غيرِ اللهِ، وصَرْفَ الإلهيَّةِ لغيرِهِ لأُمِّ الرَّأسِ، فقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزُّمَر: 3] {هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] فتبًّا لِمَنْ كانَ أبو جَهْلٍ ورَأْسُ الكُفْرِ من قُرَيْشٍ وغيرُهُم أَعْلَمَ منه بـ: (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )قالَ تعالىَ: {إنَّهُمْ كانُوا إِذَا قِيلَ لهمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلهتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصَّافَّات: 35 - 36] فَعَرَفُوا أنَّهَا تَقْتَضِي تَرْكَ عِبَادَةِ ما سِوَى اللهِ، وإِفْرَادَ اللهِ بالعِبَادَةِ، وهكذا يقولُ عُبَّادُ القُبُورِ إذا طَلَبْتَ منهم إخلاصَ الدَّعوةِ والعِبَادَةِ للهِ وحدَهُ: أَنَتْرُكُ سادَتَنَا وشُفَعَاءَنَا في قَضَاءِ حوائِجِنَا. فُيقالُ لهم: نَعَمْ وهذا التَّرْكُ والإخلاصُ هو الحقُّ، كمَا قالَ تعالىَ: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصَّافَّات: 37] فـ: (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )اشْتَمَلَتْ عَلَى نفيٍ وإثباتٍ، فنفَتِ الإلهيَّةَ عن كُلِّ ما سِوَى اللهِ تعالىَ، فكلُّ ما سِوَاه من الملائِكَةِ والأنبياءِ فضلًا عن غيرِهِم، ليسَ بإلهٍ، ولا له من العِبَادَةِ شيءٌ، وأَثبتَت الإلهيَّةَ للهِ وحدَهُ، بمعنى أنَّ العَبْدَ لا يأْلَهُ غيرَهُ، أي: لا يَقْصِدُهُ بشيءٍ من التَّأَلُّهِ وهو تَعَلُّقُ القَلْبِ الَّذي يُوجِبُ قَصْدَهُ بشيءٍ من أنْوَاعِ العِبَادَةِ، كالدُّعاءِ والذَّبْحِ والنَّذْرِ وغيرِ ذلك.

وبالجُمْلَةِ فلا يُؤَلَّهُ إلا اللهُ، أي: لا يُعْبَدُ إلا هو، فمَن قالَ هذه الكَلِمَةَ عَارِفًا لمعناها، عامِلًا بمُقْتَضَاها، مِن نَفْيِ الشِّركِ وإثباتِ الوَحْدَانِيَّةِ للهِ مع الاعْتِقَادِ الجازمِ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن ذلك والعَمَلِ بهِ، فهذا هو المُسْلِمُ حقًّا، فإنْ عَمِلَ بهِ ظَاهِرًا من غيرِ اعْتِقَادٍ، فهو المُنَافِقُ، وإن عَمِلَ بخلافِهَا من الشِّرْكِ، فهو الكافِرُ ولو قالَها، ألا تَرَى أنَّ المُنافقينَ يَعْمَلُون بها ظَاهِرًا وهم في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِن النَّارِ، واليهودُ يقولُونها وهم عَلَى ما هم عليهِ من الشِّرْكِ والكُفْرِ، فلم تَنْفَعْهُم، وكذلِكَ مَن ارْتَدَّ عن الإسلامِ بإِنْكارِ شيءٍ من لوازِمِهَا وحقوقِهَا، فإِنَّهَا لا تَنْفَعُهُ، ولو قالَها مِائَةَ ألْفٍ، فكذلِكَ منِ يقولُها ممَّن يَصْرِفُ أنواعَ العِبَادَةِ لغيرِ اللهِ، كعُبَّادِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت