فهرس الكتاب
القُبُورِ والأصْنَامِ فلا تَنْفَعُهُم، ولا يَدْخُلُونَ في الحديثِ الَّذي جاءَ في فضلِها، وما أَشْبَهَه مِن الأحاديثِ. وقد بيَّنَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بقولِهِ: (( وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ) )تَنْبِيهًا عَلَى أنَّ الإنسانَ قد يقولُها وهو مُشْرِكٌ، كاليهودِ والمُنافقينَ وعُبَّادِ القُبُورِ، لَمَّا رَأَوْا أن النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا قومَهُ إلى قَوْلِ: (( لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ ) )، ظنُّوا أنَّهُ إنَّما دعاهُم إلى النُّطْقِ بِهَا فَقَطْ، وهذا جَهْلٌ عَظِيمٌ، وهو عليهِ السَّلامُ إنَّما دَعَاهُمْ إليها ليقولُوها ويَعْمَلُوا بمعناها ويَتْرُكوا عِبَادَةَ غيرِ اللهِ، ولهذا قالوا: {أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصَّافَّات: 36] وقالُوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] فلهذا أَبَوْا عن النُّطْقِ بِهَا، وإلا فلَو قالُوهَا وبَقُوا عَلَى عِبَادَةِ اللَّاتِ والعُزَّى ومَنَاةَ لم يكونوا مُسْلِمِينَ، ولقَاتَلَهم عليهِ السَّلامُ حَتَّى يَخْلَعُوا الأَنْدَادَ ويَتْرُكُوا عِبَادَتَهَا، ويَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لا شريكَ له، وهذا أمْرٌ مَعْلُومٌ بالاضْطِرَارِ من الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ، وأمَّا عُبَّادُ القُبُورِ فلم يَعْرِفُوا معنى هذهِ الكَلِمَةِ، ولا عَرَفُوا الإلَهِيَّةَ المَنْفِيَّةَ عن غيرِ اللهِ الثَّابتةَ له وحدَهُ لا شريكَ له، بل لم يَعْرِفُوا مِن معناهَا إلا ما أَقَرَّ بهِ المؤمنُ والكافرُ، واجْتَمَعَ عليه الخَلْقُ كُلُّهُم مِن أنَّ معناها: لا قَادِرَ عَلَى الاخْتِرَاعِ، أو أنَّ معناها: الإلهُ، هو الغنيُّ عَمَّا سِواه، الفقيرُ إليهِ كلُّ ما عَدَاه، ونحوَ ذلك، فهذا حَقٌّ، وهو من لَوَازِمِ الإِلَهِيَّةِ، ولكنْ ليسَ هو المُرَادَ بمعنى (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )فإنَّ هذا القَدْرَ قد عَرَفَهُ الكُفَّارُ، وأقَرُّوا بهِ، ولم يَدَّعُوا في آلِهَتِهِم شيئًا من ذلك، بل يُقِرُّونَ بفَقْرِهِم، وحاجَتِهِم إلى اللهِ, وإنَّما كانوا يَعْبُدونَهُم عَلَى معنى أنَّهُم وَسَائِطُ وشُفَعَاءُ عندَ اللهِ في تَحْصِيلِ المطالِبِ ونجاحِ المآرِبِ، وإلا فَقَدْ سلَّموا الخَلْقَ والمُلْكَ والرِّزْقَ والإحياءَ والإمَاتَةَ، والأمرَ كلَّه للهِ وحدَهُ لا شريكَ له، وقد عَرَفُوا معنى (( لا إلهَ إلَّا اللهُ ) )وَأبَوا عن النُّطْقِ والعَمَلِ بها، فلم يَنْفَعْهُم تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الشِّركِ في الإلَهِيَّةِ، كمَا قالَ تعالىَ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يُوسُف: 106] وعُبَّادُ القُبُورِ نَطَقُوا بِهَا وجَهِلُوا معناها، وأبَوْا عن الإِتْيَانِ بهِ، فصارُوا كاليهودِ الَّذينَ يقولونَهَا ولا يَعْرِفُونَ معناها ولا يَعْمَلُونَ بهِ، فتَجِدُ أحدَهُم يقولُها وهو يُؤَلِّهُ غيرَ اللهِ بِالحُبِّ والإِجْلالِ والتَّعْظِيمِ والخَوْفِ والرَّجَاءِ والتَّوكُّلِ والدُّعاءِ عندَ الكَرْبِ، ويَقْصِدُهُ بأنواعِ العِبَادَةِ الصَّادرةِ عن تَأَلُّهِ قَلْبِهِ لغَيْرِ اللهِ ممَّا هو أعْظَمُ ممَّا يَفْعَلُه المُشْرِكُونَ الأوَّلونَ، ولهذا إذا تَوَجَّهَتْ عَلَى أحدِهِم اليمينُ باللهِ تعالىَ أعطاكَ ما شِئْتَ من الأيمانِ صادِقًا أو كاذِبًا، ولو قيلَ له: احْلِفْ بحياةِ الشَّيخِ فُلانٍ أو بتُرْبَتِهِ ونحوِ ذلك، لم يَحْلِفْ إنْ كانَ كاذِبًا؛ وما ذاك إلا لأنَّ المَدْفُونَ في التُّرَابِ أعْظَمُ في قلْبِهِ من رَبِّ الأربابِ، وما كانَ الأوَّلُون هكذا، بل كانُوا إذا أرادُوا التَّشديدَ في اليمينِ حَلَفُوا باللهِ تعالَى، كمَا في قِصَّةِ القَسَامَةِ الّتي وَقَعَتْ في الجاهليَّةِ، وهي في (( صحيحِ البُخَارِيِّ ) ), وكثيرٌ منهم وأكثرُهُم يَرَى أنَّ الاسْتِغَاثةَ بإِلَهِهِ الَّذي يَعْبُدُهُ عندَ قبرِهِ أو غيرِه أنفعُ وأنجَحُ من الاسْتِغَاثَةِ باللهِ في المَسْجِدِ، ويُصَرِّحُونَ بذلك، والحكاياتُ عنهمْ بذلك فيها طُولٌ، وهذا أمْرٌ ما بَلَغَ إليه شِرْكُ الأوَّلينَ، وكلُّهم إذا أصابَتْهُمُ الشَّدائِدُ أخْلَصُوا للمدفونينَ في التُّرابِ، وهتَفُوا بأسمائِهِم، ودَعَوْهُم ليكشِفُوا ضُرَّ المُصَابِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّفَرِ والإيابِ، وهذا أَمْرٌ ما فَعَلَه الأوَّلونَ، بل هم في هذه الحالِ يُخْلِصُونَ للكبيرِ المُتَعَالِ، فاقْرَأْ قولَهُ تعالىَ: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ له الدِّينَ} [العَنْكَبُوت: 65] الآيةَ، وقولَهُ: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِربِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 53 - 54] وكثيرٌ منهم قد عَطَّلُوا المساجِدَ وعمَرُوا القُبُورَ والمشَاهِدَ، فإذا قَصَدَ أحدُهُمَ القبرَ الَّذي يُعَظِّمُهُ أخَذَ في دُعَاءِ صاحِبِهِ باكِيًا خاشِعًا ذليلًا خاضِعًا، بحيثُ لا يَحْصُلُ له ذلكَ في الجُمُعَةِ والجماعاتِ وقيامِ الليلِ وأدْبَارِ الصَّلواتِ، فيَسْأَلُونَهُمْ مَغْفِرةَ الذُّنُوبِ وتفريجَ الكُرُوبِ والنَّجاةَ من النَّارِ، وأن يَحُطُّوا عنهم الأوْزَارَ، فكيفَ يَظُنُّ عاقِلٌ فضلًا عن عالِمٍ أنَّ التَّلفُّظَ بـ: (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )مع هذه الأُمُورِ تَنْفَعُهم؟ وهم إنَّما قالُوهَا بأَلْسِنَتِهِمْ وخالفُوهَا باعتقادِهِم وأعمالِهِمْ، ولا ريبَ أنَّهُ لو قالهاَ أحدٌ من المشركينَ ونَطَقَ أيضًا بشَهَادَةِ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِِ ولم يَعْرِفْ معنى الإلهِ ولا معنَى الرَّسولِ وصلَّى وصامَ وحجَّ ولا يدري ما ذلك إلا أنَّهُ رأى النَّاسَ يفعلونَهُ فتابعَهُم ولم يفعلْ شيئًا من الشِّرْكِ، فإنَّهُ لا يَشُكُّ أحدٌ في عَدَمِ إسلامِهِ، وقدْ أفتى بذلك فقهاءُ المغْرِبِ كلُّهم في أوَّلِ القَرْنِ الحاديَ عَشَرَ أو قبلِه في شَخْصٍ كانَ كذلِكَ كمَا ذكرَهُ صاحِبُ (( الدُّرِّ الثَّمينِ في شَرْحِ