فهرس الكتاب
المُرْشِدِ المُعِينِ )) من المالِكِيَّةِ, ثُمَّ قالَ شارِحُهُ: وهذا الَّذي أَفْتَوْا بهِ جَلِيٌّ في غايةِ الجَلاءِ، لا يُمْكِنُ أن يَخْتَلِفَ فيه اثنانِ. انْتَهَى. ولا رَيْبَ أنَّ عُبَّادَ القُبُورِ أَشَدُّ من هذا؛ لأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا الإلَهِيَّةَ في أربابٍ مُتَفَرِّقِينَ.
فإنْ قيلَ: قد تبَيَّنَ معنى الإلهِ والإلهيَّةِ: فما الجوابُ عن قولِ مَن قالَ بأنَّ معنى الإلهِ القادِرُ عَلَى الاخْتِرَاعِ ونحوَ هذه العِبَارَةِ؟
قيلَ: الجوابُ من وجهيْنِ:
أحدِهما: أنَّ هذا قولٌ مبتدَعٌ لا يُعْرَفُ أحدٌ قالَه من العلماءِ ولا من أئِمَّةِ اللُّغةِ، وكلامُ العُلَمَاءِ وأئمَّةِ اللغةِ هو معنى ما ذَكَرْناَ كمَا تقدَّمَ فيكونُ هذا القولُ باطلًا.
الثَّاني: عَلَى تقديرِ تَسْلِيمِهِ، فهو تَفْسِيرٌ باللازِمِ للإلهِ الحقِّ؛ فإنَّ اللازمَ له أن يكونَ خالِقًا قادِرًا عَلَى الاخْتِرَاعِ، ومتى لم يَكُنْ كذلِكَ، فليسَ بإلهٍ حَقٍّ وإنْ سُمِّيَ إلهًا، وليسَ مرادُهُ أنَّ مَن عَرَفَ أنَّ الإلهَ هو القادِرُ عَلَى الاخْتِرَاعِ، فقد دَخَلَ في الإسلامِ وأتى بتحقيقِ المَرَامِ من مِفْتَاحِ دارِ السَّلامِ؛ فإنَّ هذا لا يقولُهُ أحدٌ؛ لأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أنْ يكونَ كفَّارُ العَرَبِ مُسلمينَ، ولو قُدِّرَ أنَّ بعضَ المتأخِّرينَ أرادُوا ذلك فهو مُخْطِئٌ يُرَدُّ عليه بالدلائِلِ السمعيَّةِ والعقليَّةِ.
قولُهُ: (وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه) أيْ: وشَهِدَ بذلك، وهو معطوفٌ عَلَى ما قبلَه، فتكونُ الشَّهَادَةُ واقِعَةً عَلَى هذه الجُمْلَةِ وما قبلَها وما بعدَهَا؛ فإنَّ العامِلَ في المَعْطُوفِ وما عُطِفَ عليه واحِدٌ، ومعنَى (( العبدِ ) )هنا يعني: المملوكَ العابِدَ، أي: مَمْلُوكٌ للهِ تعالى، وليسَ له من الرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ شيءٌ، إنَّما هو عَبْدٌ مُقَرَّبٌ عندَ اللهِ ورسولِهِ، أَرْسَلَهُ اللهُ كمَا قالَ تعالَى: {وَأنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إنَّما أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاَغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجِن: 19 - 24] .
قيلَ: وقَدَّمَ العَبْدَ هنا عَلَى الرَّسُولِ تَرَقِّيًا من الأَدْنَى إلى الأَعلَى، وجَمَعَ بينَهُمَا لِدَفْعِ الإِفْرَاطِ والتَّفريطِ الَّذي وَقَعَ في شأنِ عِيسَى عليهِ السَّلامُ، وقد أَكَّدَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا المعنى بقولِهِ: (( لاَ تُطْرُونِي كمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابنَ مَرْيمَ، إنَّما أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه ) )رواهُ البُخَارِيُّ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ. وذلك يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقَهُ فيما أخْبَرَ، وطاعتَهُ فيما أَمَرَ، والانْتِهَاءَ عَمَّا عنه زَجَرَ، فلا يكونُ كامِلَ الشَّهَادَةِ له بالرِّسالةِ مَن تَرَكَ أَمْرَهُ وأطاعَ غيرَهُ، وارْتَكَبَ نَهْيَهُ.
قولُهُ: (وأنَّ عيسَى عبدُ اللهِ ورسولُه) وفي رِوَايَةٍ: (( وابنُ أَمَتِهِ ) )أيْ: خِلَافًا لِمَا يَعْتَقِدُهُ النَّصارَى أنَّهُ اللهُ أو ابنُ اللهِ، تعالَى اللهُ عن ذلكَ عُلُوًّا كَبِيرًا {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92 - 93] فيَشْهَدُ بأنَّهُ عبدُ اللهِ، أي: عابِدٌ مملوكٌ للهِ، لا مالِكٌ، فليسَ له من الربوبِيَّةِ ولا مِن الإلهيَّةِ شيءٌ، ورسولٌ صادِقٌ، خِلافًا لقولِ اليهودِ: إنَّهُ وَلَدُ بَغِيٍّ، بل يقالُ فيه ما قالَ عن نفسِهِ كمَا قالَ تعالَى: {قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْم أُبْعَثُ حَيًّا * ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم: 30 - 34] ، وقالَ تعالَى: {لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُسْتَفَادُ منه ما يُلَقَّنُهُ النصرانيُّ إذا أَسْلَمَ.
قولُهُ: (وكَلِمَتُهُ) إنَّما سُمِّيَ عليهِ السَّلامُ كلِمَةَ اللهِ؛ لصُدُورِهِ بكلِمَةِ (( كُنْ ) )بلا أبٍ. قالَه قَتَادَةُ وغيرُهُ من السَّلفِ.